محمد العاصي يركض حاملاً العلم الفلسطيني بعد تحقيقه المركز الثاني في ماراثون فلسطين

محمد العاصي من قيود الأسر إلى منصات التتويج

أربعة أمتار فقط. خطوتان للأمام، وخطوتان للخلف. هكذا يبدو العالم عندما يُختزل في زنزانة ضيقة، حيث لا تتسلل الشمس من الجدران الرمادية الباردة إلا خلسة من خلال نافذة صغيرة إن وُجدت أصلاً، والهواء ثقيلٌ محملٌ برطوبة العزلة. لأكثر من عامين، كانت هذه هي المساحة الوحيدة المتاحة للأسير الفلسطيني المحرر محمد العاصي. الدوران لساعات طويلة في هذه البقعة المعتمة لا يُعد تدريباً رياضياً، بل هو صراعٌ نفسي وبدني لاختبار أقصى طاقات التحمل البشري. لكن بالنسبة لمحمد، الشاب الذي يحمل روحه على قدميه والذي اعتاد أن يعانق الأفق في كل ركضة، لم يمت الحلم بين تلك الجدران الصامتة. في ليالي الشتاء القارسة، وتحت وطأة البرد الذي ينهش العظام، وعد نفسه بأنه مهما حدث، سيخرج ليركض في اليوم التالي مباشرة لخروجه، حتى لو اضطر أن يزحف زحفاً.

بدايات محمد العاصي.. عندما تتحول 5 كيلومترات إلى هواء الرئتين

في ذلك الصباح الخريفي المعتدل، حيث كانت نسمات الهواء الباردة تلفح وجوه الطلاب في ساحة المدرسة، بدأت القصة. كان محمد في الصف العاشر حين اقترح أحد الأساتذة تحدياً بسيطاً: المشاركة في Race محلي مسافته 5 كيلومترات. لم يكن محمد يمتلك حذاءً مخصصاً للجري ولا خطة تدريبية، لكنه انطلق. مع كل خطوة، كان يشعر برئتيه تحترقان، وبنبضات قلبه تتسارع وكأنها تقرع طبولاً في صدره. ورغم ذلك التعب، قفز نحو المركز الثاني. من تلك اللحظة، وسط لهاثه وقطرات العرق التي زينت جبينه، وُلد بداخله شعور غامر بالتحدي. اكتشف أن الجري ليس مجرد حركة بدنية، بل هو حوارٌ صامت بين الجسد والروح.

ومع مرور الأيام، تمدد هذا الشغف. تعرّف محمد على Marathon فلسطين، وقرر المشاركة في نسخته الرابعة وهو لا يزال حديث العهد بالتدريب الجاد. كان يوم السباق مشمساً، وشوارع مدينة بيت لحم بتلالها القاسية ومنحدراتها الحادة لا ترحم العضلات غير المستعدة. لم يكن محمد مستعداً بالشكل الذي يليق بمسافة الماراثون الكاملة؛ تعب كثيراً، ثقلت قدماه وكأن رصاصاً أُذيب في حذائه، وتوقف أكثر من مرة لالتقاط أنفاسه المتقطعة تحت أشعة الشمس اللاهبة. لكنه رفض الانسحاب. عندما عبر خط النهاية، كان جسده منهكاً تماماً، لكن شيئاً عميقاً في داخله قد استيقظ. أدرك حينها أن التعب يمكن أن يتحول إلى وقود. ومنذ ذلك اليوم، أصبح الجري طقساً يومياً، يسير بالتوازي مع ساعات عمله الطويلة في أحد المتاجر الغذائية؛ فرغم أن محمد يحمل شهادة جامعية في التمريض، إلا أن ظروف الحياة دفعته للعمل في “سوبر ماركت”، حيث يقف على قدميه لساعات طوال قبل أن يخرج ليركض.

سنوات البناء.. الصعود نحو القمة وسقوط مفاجئ

بين عامي 2015 و2019، نحت محمد إرادته سباقاً تلو الآخر. كان يستيقظ قبل بزوغ الفجر، حين تكون الشوارع غارقة في صمت مطبق والضباب الصباحي يلامس الأرض، ليركض قبل أن تبدأ وردية عمله. في إحدى محطاته البارزة، حزم حقائبه وسافر إلى مدينة إسطنبول التركية، متحدياً أجواءً جديدة ومسارات غير مألوفة، ليحقق هناك رقماً شخصياً رائعاً بتوقيت 3:24. لاحقاً، وفي عام 2019، سجل توقيت 3:37.

مرت جائحة كورونا بكل ثقلها، لكنها لم توقفه. في عام 2022، وبعد أشهر من التدريب القاسي في الشوارع الفارغة، حقق محمد قفزة نوعية مذهلة منهياً سباق الماراثون بتوقيت 3:03. كان الهدف التالي يلمع في عينيه بوضوح: كسر حاجز الثلاث ساعات. لكن الحياة نادراً ما تسير في خطوط مستقيمة. جاء عام 2023 محملاً بضغوط العمل والحياة التي أثقلت كاهله، وفي صباح غائم وكئيب خلال النسخة التاسعة من ماراثون فلسطين، تراجع رقمه إلى 3:25. كان الإحباط يعتصر قلبه، لكن القسوة الحقيقية لم تكن في توقيت السباق. فبعد شهر واحد فقط، وفي الرابع من نيسان (أبريل) 2023، أُغلق باب الزنزانة الحديدي على محمد؛ أُسر محمد لتبدأ أطول وأقسى مسافة يقطعها في حياته.

الجدران التي التهمت العضلات وليس الإرادة

اثنان وثلاثون شهراً في الأسر. رقمٌ يبدو على الورق مجرد إحصائية، لكنه في واقع الزنزانة يعني آلاف الساعات من العزلة، منها 26 شهراً تحت ظروف حرب طاحنة ألقت بظلالها المرعبة على كل تفصيل من تفاصيل الحياة اليومية. في البداية، كانت مساحة المشي المتاحة تتراوح بين 10 إلى 12 متراً، مساحة كافية بالكاد لتخفيف احتقان العضلات. لكن مع اندلاع الحرب، أُغلقت الأبواب، وتقلصت المساحة إلى أقل من أربعة أمتار داخل الزنزانة الخانقة.

جسد محمد، الذي اعتاد الانطلاق في المساحات المفتوحة واختراق الرياح، بدأ يذوب. كان الطعام شحيحاً والظروف قاهرة. خسر نحو 14 كيلوغراماً من وزنه، ليتراجع من 74 إلى 60 كيلوغراماً فقط. تآكلت الدهون واستهلك الجسد نفسه للبقاء، ورغم أن عضلاته الصلبة قاومت بشراسة للحفاظ على هيكله، إلا أن جسده تغير كلياً، بات نحيلاً، مرهقاً، تحفر في ملامحه قسوة الأيام. ورغم ذلك، في عتمة الليل، حين يسود الصمت وتشتد برودة الأرضية الإسمنتية، كان محمد يغمض عينيه ويتخيل نفسه يركض، يتنفس هواء الجبال الطلق، ويرسم خط النهاية في مخيلته ليُبقي روحه حية.

خطوة الحرية الأولى.. عائلة الجري التي لا تترك أبناءها

في الثلاثين من تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، انفتحت الأبواب أخيراً. خرج محمد بجسده الهزيل إلى النور. كان الهواء البارد يلسع وجهه وهو يبحث عن والدته بين جموع الأهالي المنتظرين بشوق لحظة لقاء أبنائهم وذويهم، والسماء الرمادية الواسعة تبدو غريبة بعد أشهر من النظر إلى سقف منخفض. يصف محمد تلك اللحظة بأنها كانت “فظيعة”؛ كان حراً، لكن جسده كان سجيناً للإنهاك التام ولياقته التي كانت يوماً تضاهي المحترفين باتت شبه معدومة.

بعد 48 ساعة متواصلة بلا نوم، مدفوعاً بلهفة لا تُقاوم، ارتدى Running Shoes القديم وحاول الركض. لكن الأسفلت الذي طالما كان صديقه بدا وكأنه يتموج تحته. هاجمه دوار عنيف، زاغت عيناه، وخذلته قدماه ليسقط أرضاً. لم يعد الجسد قادراً على حمل الروح.

لم يستسلم لليأس. عاد إلى يومياته وعمله في المتجر، وبدأ رحلة انبعاث من تحت الرماد. خضع لبرنامج إعادة تأهيل صارم في نادي “سبور باور” (Sport Power)، شمل العلاج الطبيعي والتحفيز الكهربائي لإيقاظ عضلات وصفها بأنها كانت “نائمة، لا بل ميتة”. وهنا تجلى الدور الأعظم لفريقه وعائلته الرياضية الكبيرة فريق “عدائي الحرية” (@freedomrunnerspal)، الذين لم يتركوه للحظة. كانوا السند الحقيقي له في كل خطوة، يدعمونه معنوياً ومادياً، ويمدونه بالقوة حين تخونه عضلاته. كانت العودة قاسية للوهلة الأولى؛ أسرع كيلومتر كان يقطعه بالكاد يلامس حاجز الست دقائق. لكن مع دعم فريقه وإصراره، بدأ الجسد الذي التهمته الجدران يتذكر كيف يطير.

رمضان.. الكيلومترات الذهبية التي صدمت الجميع

في قلب محمد مكانة روحية ورياضية خاصة لشهر رمضان المبارك. هو يعشق الجري قبل الإفطار مباشرة، حين تكون شمس المغيب تميل إلى الحمرة، تاركة وهجاً برتقالياً دافئاً يعانق تلال فلسطين. في رمضان الذي تلا خروجه، قرر محمد أن يجعل من هذا الشهر نقطة الانطلاق الحقيقية.

بدأ يبني مسافاته تدريجياً وبإصرار لا يلين وهو صائم. انطلق بعشرين كيلومتراً صباحاً، وفي الأسبوع التالي رفع المسافة إلى 25 كيلومتراً، ثم 26، و27، حتى جاء اليوم الذي ركض فيه 32 كيلومتراً دفعة واحدة وهو صائم. يقول محمد معلقاً على ذلك، إن أجساد الأسرى تتغير خصوصاً في رمضان؛ فهم يجمعون الوجبات الثلاث لتناولها في خمس دقائق عند مغيب الشمس تقديراً، حيث لا يمكنهم التأكد من الوقت.

شكلت هذه العودة الأسطورية أكبر صدمة في مجتمع العدائين في فلسطين. كيف يمكن لجسد خرج للتو من الأسر منهكاً ونحيلاً أن يتحمل هذا العبء البدني الخرافي؟ واجه محمد بعض التشكيك، وحاول البعض وضعه في مقارنات وتحديات غير منصفة، لكنه أدار ظهره لكل ذلك، وقال بابتسامة هادئة وثقة لا تتزعزع: “شو ما عملت أنا، بالنسبة لي إنجاز”.

محمد العاصي يقف على منصة التتويج في المركز الثاني بجانب عدائين آخرين

الانطلاق نحو خط النهاية.. وقرار الكيلومتر 13

مع اقتراب موعد ماراثون فلسطين 2026، بدأت الغيوم تتجمع في سماء أفكاره. رهبة السباق كادت أن تكسره. في لحظة ضعف إنسانية خالصة، نشر إعلاناً عبر حسابه على إنستغرام يعلن فيه انسحابه من السباق، وجلس وحيداً يبكي ألماً وحسرة.

لكن مجتمع العدائين، وفي مقدمتهم فريق “عدائي الحرية” وصديقه أحمد طه، انتفضوا رافضين هذا الانسحاب. التفوا حوله وساندوه بقوة. ومن قارة أخرى، كانت صديقة العائلة ريم علي، المقيمة في شيكاغو، تتابع تدريباته عن بُعد تبث فيه العزيمة. استعاد محمد رباطة جأشه، وكتب رسالة تحدٍ جديدة: “سأركض يوماً في ماراثونات العالم، والبداية ستكون من هنا، من ماراثون فلسطين 2026”.

في صباح يوم السباق، انطلق محمد بجوار صديقه أحمد لقطع أول 10 كيلومترات، برفقة صديقهم حسين أبو رميلة وتبادلوا المزاح. لكن عند الكيلومتر العاشر، داهم ألم حاد ومفاجئ بطن صديقه أحمد. حاول محمد البقاء بجواره ودعمه، لكن مع تراجع سرعة المجموعة بسبب الإصابة، شعر محمد أن طاقته تدفعه ليركض بشكل أسرع، فهذا يومه الذي طالما داعب مخيلته وهو في الأسر.

عند الكيلومتر 13، صارح محمد صديقه أحمد بأنه لا يستطيع الاستمرار بهذا الإيقاع البطيء وأنه يحتاج لرفع وتيرته. اتخذ قراره واستأذن رفيق دربه، ترك المجموعة، وانطلق وحيداً يصارع الريح والتلال بكامل طاقته. استمر في ركضه الانفرادي الشرس حتى الكيلومتر 30. هناك، بدأ المخزون ينفد، وتجاوزه صديقه سامر. لم يغضب محمد من ذلك، برغم شعوره بخذلان جسده الذي استهلك طاقته ولم يسترد كامل عافيته بعد.

لكن الإرادة فعلت ما عجزت عنه العضلات. استمر محمد في الدفع ليعبر خط النهاية بتوقيت 3:15:27، محتلاً المركز الثاني بجدارة. عند خط النهاية، انهار على ركبتيه، وسجد لله سجدة شكر طويلة والدموع تختلط بعرقه. وحين سُئل لمن يهدي هذا الإنجاز، أجاب بلا تردد: “لعائلتي من الأسرى التي تركتها خلفي، ولأمي.. التي كانت أقرب إلى الموت حين كنت أنا خلف القضبان”.

ما بعد خط النهاية.. الحلم الذي لا يقيده سجن

محمد العاصي راكعاً بعد عبور خط النهاية مطوقاً عنقه بميدالية السباق

اليوم، يحتاج محمد أكثر من أي وقت مضى إلى دعم حقيقي ومستدام ليتمكن من مواصلة تطوره. حتى حذاء الجري الذي رافقه في هذه الرحلة الملحمية بات مهترئاً تماماً. لكن الأحلام في قلبه لا تعرف قيوداً ولا تعترف بنقص الموارد؛ حلمه القديم بكسر حاجز الثلاث ساعات لا يزال يتوهج بقوة. يطمح اليوم للركض في سباقات خارج فلسطين، وتحديداً في شوارع عمّان ودمشق، رغم أنه لا يزال ممنوعاً من السفر حتى اللحظة.

وإلى أن تفتح أمامه الحدود، سيخرج محمد كل فجر، يضرب بقدميه شوارع مدينته بيت لحم، مؤمناً أنها مصنعه الخاص لإعداد بطل لا يُقهر، مرتدياً دائماً القميص الذي يحمل اسم صديقه الشهيد عمر مناع، ليذكره دائماً بأن الجري حرية، وأن الصديق يبقى قريباً وإن غادر الحياة إلى ديار الآخرة.

من شاب لم يقوَ على إكمال كيلومتر واحد دون أن يسقطه الدوار بعد الأسر، إلى عداء فذ يفرض اسمه على منصة التتويج في ستة أشهر فقط، يقف محمد العاصي اليوم، وعيناه تنظران نحو الأفق البعيد ليقول بحزم: “ها أنا ذا، أكتب السطر الأول”.

كلمات تختصر كل شيء. فهذه، بلا شك، ليست نهاية القصة، بل هي الفصل الأول من حكاية ملحمية قادمة. يمكنك متابعة تفاصيلها على حسابه على الإنستغرام

Would you like to see every new article as soon as it's published?
Join our WhatsApp channel, where every new article is posted immediately as soon as it's published.

Would you prefer a monthly summary instead?
Subscribe to the monthly Urkod newsletter to get a comprehensive and carefully curated overview of its most important articles and everything that matters to Arab runners.

📱  WhatsApp Channel Link
📩  Newsletter Link

See also:

50 كيلومتراً في المول، هدية عيد ميلاد – Urkod

إرادة في رحم الألم – اسامة ربابعة / الجزء الاول – Urkod

الرياضة عشق – الجزء ٢/١ – Urkod

رزنامة Run

رزنامة اركض – Urkod

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *