نادي بغداد للجري (BRC)، كيف أطلق شابان مجتمع جري مذهل في بغداد؟ | أُركض
نادي بغداد للجري (BRC)
سأل الإمام الشافعي تلميذه يونس بن عبد الأعلى يوماً: “يا يونس، هل رأيت بغداد؟”، فأجابه يونس: “لا”، فقال الشافعي: “ما رأيتَ بغداد؟ إذاً ما رأيتَ الدنيا!”
لم تكن بغداد يوماً مجرد عاصمة، بل كانت لقرونٍ درة العواصم، حاضرة الدنيا، وعاصمة الخلافة العباسية؛ خط النهاية الذي تتسابق إليه كل حضارات الأرض. مدينة تتقن “قوة التحمل”، سقطت ونهضت، تعثرت وأكملت، تماماً كعداء ماراثون يرفض الاستسلام حتى يبلغ الهدف منتهاه.
تحمل هذه المدينة في حاراتها وشوارعها عبق المجد ورائحة التاريخ من عصر الدولة العباسية. تاريخ أعمق من أن يُرى بالعين فقط؛ إنه تاريخ يُختبر بالقدمين. في ذات الشوارع التي عبرتها الجيوش، والفلاسفة، والقوافل التجارية، يعود اليوم هذا النبض العراقي ليضرب الإسفلت من جديد، بإيقاع منتظم وخطوات واثقة؛ عبر فريق جري قرر أن يقرأ تاريخ بغداد بطريقته الخاصة…ركضاً.
البداية مع أحمد قاسم
في صباحات بغداد الهادئة، وقبل أن تمتلئ الشوارع بالسيارات والمارة، كان شابان يخرجان للركض وحدهما. كاد الأمر أن يكون سراً لتجنب ألسنة المتنمرين والساخرين، إذ لم يكن المشهد مألوفاً؛ فبعض الناس كانوا يراقبونهما باستغراب، وتطاردهما الكلاب الضالة وكأنها تتآمر مع الظروف على نيتهما ممارسة الرياضة في شوارع عامة غير مهيأة للجري أصلاً.
ما بدأ بخطوات شابين اثنين فقط، تحول خلال عام واحد إلى مجتمع رياضي يضم أكثر من 150 عداءً وعداءة في الركضة الواحدة. هكذا بدأت قصة “نادي بغداد للجري ” (Baghdad Running Club)، إحدى مجموعات الجري التي تعمل بشغف على نشر ثقافة الركض في العاصمة العراقية.
بدأت الفكرة عندما قرر أحمد قاسم أن يخرج من روتينه اليومي ويمارس الجري في شوارع بغداد. كان القرار بسيطاً، لكنه لم يكن معتاداً في مدينة لا تزال ثقافة الركض الجماعي فيها محدودة. في البداية، واجه أحمد نظرات الاستغراب وبعض التعليقات الساخرة، لكنه واصل الركض؛ لإيمانه بأن ممارسة الرياضة في الهواء الطلق يجب ألا تكون حكراً على مدينة معينة أو مرتبطة بوجود منشآت رياضية متطورة، وأن من حق سكان بغداد أيضاً أن يجدوا مساحة للحركة والجري، برغم ضعف البنية التحتية.
نشر أحمد دعوة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بحثاً عن أشخاص يشاركونه الاهتمام نفسه. لم يكن التفاعل مع تلك الدعوة كبيراً، لذلك استمر في الركض مع صديقه محمد ارشد. كانا يبحثان عن شوارع أقل ازدحاماً ومساحات يمكن الركض فيها بأمان ولو كان نسبياً، في ظل نقص الأرصفة المناسبة ومسارات الجري المخصصة.
كيف تحول العدّاءان إلى مجموعة تضم أكثر من 150 مشاركاً؟
لم تكبر المجموعة دفعة واحدة. انضم شخص، ثم آخر، وبدأ المشاركون في دعوة أصدقائهم ومعارفهم. ومع مرور الوقت، أصبح الركض نشاطاً أسبوعياً، بل موعداً ينتظره عدد متزايد من الناس.
اليوم، يشارك في فعاليات (BRC) أكثر من 150 عدّاءً وعدّاءة من أعمار ومستويات مختلفة. بعضهم يركض للمرة الأولى، وبعضهم يمتلك خبرة سابقة ويرغب في تحسين سرعته أو قدرته على قطع مسافات أطول. هذا التنوع جعل المجموعة أقرب إلى مجتمع رياضي مفتوح، يستطيع المبتدئ أن يبدأ وفق قدرته، بينما يجد العدّاء الأكثر خبرة أشخاصاً يشاركونه التدريب والتحدي.

تحديات الجري في بغداد
تأسيس مجموعة جري في بغداد ليس أمراً سهلاً؛ فالمدينة لا تضم عدداً كافياً من المسارات المخصصة للركض، كما تفتقر بعض الشوارع إلى الأرصفة الآمنة أو المساحات التي تسمح بممارسة الرياضة بعيداً عن حركة السيارات.
حتى الحدائق العامة لم تكن دائماً خياراً سهلاً في البدايات. فقد واجه أعضاء المجموعة أحياناً استفسارات أو محاولات لمنعهم من التجمع، لأن رؤية مجموعة كبيرة تمارس الجري في مكان عام لم تكن مألوفة بعد. إلى جانب ذلك، كان على الفريق التعامل مع نظرة اجتماعية لم تعتد وجود شباب وشابات يركضون معاً في شوارع المدينة.
لكن القائمين على (BRC) لم ينظروا إلى هذه التحديات باعتبارها سبباً للتوقف، بل رأوا أن جزءاً من دورهم هو تعريف الناس بالجري وتشجيعهم على اعتباره نشاطاً طبيعياً يمكن للجميع ممارسته. فهدف المجموعة لا يقتصر على حرق السعرات الحرارية أو تحسين اللياقة البدنية، وإنما يمتد إلى بناء ثقافة رياضية أكثر حضوراً في الحياة اليومية لبغداد.
مساحة ترحب بالنساء
من الجوانب المهمة في تجربة (BRC) مشاركة النساء في الركضات الجماعية. ففي بعض البيئات المحافظة، قد تتردد المرأة في ممارسة الرياضة في الأماكن العامة، خصوصاً داخل مجموعات مختلطة.
لهذا تلعب الكابتن «بسمة» وزميلاتها من المشرفات دوراً محورياً في متابعة العدّاءات، وتنظيم مشاركتهن، والإجابة عن أسئلتهن. وجود مشرفات داخل المجموعة يساعد المشاركات الجديدات على الشعور براحة أكبر، ويجعل تجربة الانضمام أكثر وضوحاً وتنظيماً.
يسعى الفريق إلى توفير بيئة محترمة ومرحبة بالنساء والرجال على حد سواء، مع التأكيد على أن المجموعة مفتوحة للمبتدئين ولا تشترط مستوى معيناً من اللياقة. كما أن المشاركة في الركضات مجانية، وهو ما يزيل أحد العوائق التي قد تمنع البعض من الانضمام إلى الأنشطة الرياضية المنظمة.
أين يركض أعضاء نادي بغداد للجري (BRC)؟
تتنقل ركضات المجموعة بين أكثر من موقع داخل العاصمة، بحسب طبيعة الفعالية والموعد المعلن:
- منتزه الزوراء: أبرز المواقع التي تستضيف تجمعات الفريق ايام الاثنين والاربعاء، نظراً إلى مساحته الواسعة وبعده عن حركة السيارات المباشرة، مما يمنح المشاركين فرصة للركض في أجواء هادئة.
- كورنيش أبو نواس: تُنظم المجموعة ركضات بالقرب من الكورنيش المطل على نهر دجلة، حيث تقام ركضة صباح الجمعة في الخامسة والنصف صباحاً في أشهر الصيف، والسادسة على مدار باقي أيام السنة.

قد تتغير المواقع والمواعيد من وقت إلى آخر، لذلك يُفضل متابعة الحساب الرسمي للمجموعة على منصة انستاغرام @BRC_IQ لمعرفة نقطة التجمع والمسافة المقررة لكل ركضة. ولا يحتاج الانضمام عادة إلى إجراءات معقدة؛ يكفي الاطلاع على الموعد المعلن والحضور إلى نقطة البداية بالملابس والحذاء المناسبين.
ماذا يقول المشاركون عن التجربة؟
يظهر أثر المجموعة بوضوح في تعليقات المتابعين والمشاركين على منصات التواصل الاجتماعي:
- تكتب سارة: “بغداد صارت أحلى بضحكتكم وطاقتكم”
- يصف مصطفى الأجواء بأنها “خيالية”.
- أما محمد فيلخص التجربة بقوله: “هي رسالة حب للحياة وشوارعنا الغالية”.
تكشف هذه التعليقات أن قيمة المجموعة لا تتوقف عند ممارسة الرياضة. بالنسبة إلى كثير من المشاركين، أصبحت الركضات وسيلة للتعرف إلى أشخاص جدد، والخروج من ضغوط الحياة اليومية، ورؤية شوارع بغداد بطريقة مختلفة. فالمدينة التي يعبرها الشخص عادة داخل سيارة أو وسط الزحام، تبدو مختلفة كلياً عندما يقطع شوارعها سيراً أو ركضاً برفقة مجموعة تشاركه الهدف نفسه.
طموح يتجاوز زيادة عدد العدائين
لا يتوقف طموح أحمد قاسم عند زيادة عدد المشاركين في نادي بغداد للجري. فهو يأمل أن تشهد بغداد خلال السنوات المقبلة إنشاء مسارات جري آمنة ومجهزة، وأن تحصل رياضة الركض على دعم أكبر من المؤسسات الرسمية. الهدف هو أن يصبح وجود العدائين في الشوارع والحدائق مشهداً طبيعياً، لا أمراً يثير الاستغراب.
ويعتقد أحمد أن التغيير بدأ بالفعل، وأن المجتمع الذي تشكل خلال عام واحد يمكن أن يترك أثراً يستمر لسنوات طويلة. فكل شخص ينضم إلى المجموعة قد يشجع شخصاً آخر، وكل ركضة جماعية تجعل فكرة ممارسة الرياضة في الأماكن العامة أكثر قبولاً وانتشاراً.
الخاتمة
بدأ (BRC) بشابين يركضان وحدهما في شوارع لم تعتد رؤية العدائين. وبعد عام، أصبح مجتمعاً يجمع أكثر من 150 شخصاً حول نشاط بسيط: أن يركضوا معاً.
لكن ما صنعته المجموعة يتجاوز عدد الكيلومترات التي يقطعها المشاركون. لقد ساهمت في توفير مساحة للتعارف والحركة، وشجعت المبتدئين والنساء على ممارسة الرياضة، ولفتت الانتباه إلى حاجة بغداد إلى شوارع ومساحات أكثر ملاءمة للمشاة والعدائين.
ربما لا تكون بغداد مدينة مثالية للجري حتى الآن، لكن أعضاء نادي بغداد للجري بدأوا بالفعل في تغيير علاقتها بهذه الرياضة، خطوة بعد أخرى.
عند زيارتك القادمة الى بغداد، لا تنسى حزم حذاء الجري مع امتعتك، ففريق بغداد للجري بانتظارك ليرحب بك بحفاوة لا نظير لها، تماماً كحفاوة الاستقبال الذي لقيته انا شخصياً منذ ان انضممت اليهم لحظة وطئت قدمي ارض بغداد
اركض… وابدأ حكايتك.
فالحكايات في بغداد ليست كغيرها من الحكايات، الحكايات في بغداد من حكايات الف ليلة وليلة.
اقرأ ايضاً
نادي مسافات للجري، أول نادي جري سعودي معتمد أولمبياً يُعيد تعريف الرياضة المجتمعية | أُركض – Urkod
