كيف أصبح الجري أسلوب حياة في الخليج؟
الشوارع التي كانت تغطّ في سبات عميق حتى ساعات متأخرة، باتت اليوم تستيقظ قبل شروق الشمس على إيقاع آلاف الخطوات المتسارعة. الجري الطويل في منطقة الخليج لم يعد مجرد نشاط رياضي يمارسه القلائل على استحياء، بل تحول إلى ثقافة مجتمعية كاملة وظاهرة تكبر وتتمدد عاماً بعد عام. ما الذي حصل، و كيف أصبح الجري أسلوب حياة في الخليج العربي.
هذا التحول الجذري لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة لتقاطع أربعة عوامل رئيسية اجتمعت معاً لتصنع هذا المشهد الاستثنائي:
- الاستثمار الحكومي وصناعة المهرجانات الرياضية
لم تعد السباقات مجرد اجتهادات فردية، بل تحولت إلى مشاريع وطنية مدعومة ببنية تحتية هائلة. في السعودية، حوّلت “رؤية 2030” الرياضة الجماهيرية إلى هدف استراتيجي. وقد تجلى ذلك بوضوح في ماراثون الرياض (الذي ينظمه الاتحاد السعودي للرياضة للجميع)؛ حيث تحولت نسخته الخامسة مطلع عام 2026 إلى مهرجان رياضي مبهر نفدت تذاكره بالكامل عبر جميع الفئات، بمشاركة أكثر من 50,000 عدّاء، وفقاً لما أعلنه الأمير خالد بن الوليد بن طلال.
وفي الإمارات، رسخ ماراثون دبي مكانته كواحد من أسرع خمسة ماراثونات في العالم بفضل مساره المنبسط والسريع. نسخته الخامسة والعشرون في شباط (فبراير) 2026 جذبت 20,000 مشارك، وسجلت رقماً قياسياً بلغ 4,000 عدّاء في مسافة الماراثون الكاملة من أكثر من 140 دولة، وسط احتفالات امتدت لأسابيع بمناسبة اليوبيل الفضي للسباق.
وفي قطر، يجسّد ماراثون الدوحة بأوريدو النموذج نفسه. النسخة الرابعة عشرة، التي أُقيمت في كانون الثاني (يناير) 2026 على كورنيش الدوحة، استقطبت 20,000 عدّاء من 160 جنسية، من بينهم 2,200 عدّاء دولي قدموا من خارج قطر خصيصاً لخوض السباق. وحصل السباق على تصنيف (World Athletics Gold Label) للعام الثالث على التوالي، ليُصنَّف، بحسب المنظمين، ضمن أفضل 25 ماراثوناً في العالم. وحسم البطل الأولمبي الإثيوبي تاميرات تولا سباق الرجال برقم قياسي جديد للمسار بلغ 2:05:40.
- سباقات للجميع.. لا للنخبة فقط
هذا هو السر الأكبر وراء انتشار ثقافة الجري. الفعاليات اليوم لم تعد تقتصر على العدائين المحترفين، بل أصبحت تقدم خيارات تناسب الجميع: 5 كم للعائلة والأطفال، 10 كم للمبتدئين، وصولاً إلى نصف الماراثون (21 كم) والماراثون الكامل (42 كم). الفكرة تغيرت من “لا أستطيع ركض 42 كيلومتراً!” إلى “ابدأ بمسافة 5 كيلومترات وتطور تدريجياً”.
حتى سباقات “الالترا” (Ultra) الصحراوية القاسية فتحت أبوابها لمجموعة واسعة من المستويات. خذ مثلاً سباق الترا ماراثون العلا في نسخته الرابعة لعام 2026، والذي استقطب أكثر من 1,500 عدّاء من 44 دولة، بمسافات تراوحت بين 1.6 كم لسباق الأطفال وصولاً إلى مسافة 100 كم. وكما وصفه زياد السحيباني، كبير مسؤولي الرياضة في الهيئة الملكية لمحافظة العلا: “سباق العلا فريد في قدرته على جمع رياضيين من مختلف الأعمار من حول العالم في مدينتنا، ليقدموا مشهداً رياضياً مذهلاً بحق.”
- مجتمعات الجري والأولويات

ما يجذب العدّاء الخليجي اليوم ليس فقط السعي وراء تحطيم الأرقام القياسية، بل حس “الانتماء”. أندية الجري المحلية في الرياض، جدة، دبي، الخبر، والدوحة أصبحت نقاط تجمع أسبوعية وملاذاً للتخلص من ضغوط العمل والحياة اليومية.
هذه المجموعات باتت بمثابة عائلة ثانية، حيث تتحول النقاشات الصباحية بعد التمرين إلى مقارنات ممتعة لإحصائيات السرعة وتحليل معدلات نبض القلب على شاشات الساعات الرياضية الذكية. الجري أصبح هو البديل الصحي والحيوي للسهرات التقليدية.
- مواقع التواصل الاجتماعي وصناعة القدوة المحلية
عندما تتصفح إنستغرام وترى جارك أو زميلك في العمل ينهي أول 10 كيلومترات بعد أن كان “بكرش” ولا يغادر كنبته إلا للضرورة، وينشر مقطعاً لاحتفاله مع خلفية موسيقية حماسية مألوفة، فإن الحاجز النفسي أمامك ينكسر، بل قد يتلاشى عند الكثيرين.
صناعة القدوة لم تعد مقتصرة على أبطال الأولمبياد. ومع أحداث ضخمة كماراثون دبي، وماراثون الدوحة بأوريدو، وسباقات العلا، أصبح لدى عدّائي الخليج قصص نجاح محلية، أبطالها أشخاص يشبهونهم، يعملون بوظائف كاملة، أرباب أُسر، يتدربون في نفس الشوارع وتحت نفس الظروف المناخية، مما يجعل الإلهام حقيقياً وقابلاً للتحقيق أكثر من أي ماراثون في برلين أو نيويورك.
“أُركض” جزء من هذا المشهد

هذا التحول الثقافي لا نراقبه في أُركض من بعيد، بل نوثّقه عن قرب. ففي جدة، التقينا بنادي “مسافات”، أول نادي جري سعودي معتمد أولمبياً، والذي شاركنا مشكوراً بعض من صوره لنقربكم أكثر من هذا المشهد. وفي الإمارات، تحدثنا مع “UAE Runner”، الذي وحّد صوت العدّائين على مستوى الدولة، ووافق على مشاركة قصته معنا خلال دقائق من تواصلنا الأول معهم. كما وثقنا قصة “5:30 Run”، النادي الذي لم يتوقف حتى في أصعب الظروف.
وتابعنا أولاً بأول أخبار السباقات الكبرى في المنطقة: من فتح باب التسجيل لماراثون دبي 2027، أقدم ماراثون دولي في الشرق الأوسط، إلى فتح التسجيل لماراثون الدوحة بأوريدو 2027، الذي يستعد ليكون أكبر نسخة في تاريخ السباق.
وثّقنا قصص عدّائين من المنطقة عاشوا تجارب شخصية مع الجري غيّرت مسار حياتهم.
هذه ليست سوى البداية. مجتمع الجري الخليجي يكبر كل يوم، وأمامنا الكثير من القصص التي لم تُروَ بعد. نجحت دول الخليج العربي في توفير معادلة متكاملة؛ دعم حكومي يحول السباقات إلى كرنفالات، مسافات تحتضن كل المستويات، مجتمعات مترابطة تشجع على الاستمرارية، وقصص نجاح محلية تراها كل يوم على شاشتك قد تكون دافعك لتلحق بركب العدائين.
اركض… حكايتك
هل تريد الاطلاع على كل مقال جديد فور نشره؟
انضم إلى قناتنا على واتساب، حيث يتم نشر كل مقال جديد فورًا، بمجرد نشره.
تفضل ملخصًا شهريًّا بدلاً من ذلك؟
اشترك في نشرة أركض الشهرية للحصول على نظرة شاملة ومختارة بعناية بأهم ما تم نشره، وكل ما يهم العدائين العرب.
📱 رابط قناة واتساب
📩 رابط النشرة الإخبارية
اقرأ ايضاً
نادي مسافات للجري، أول نادي جري سعودي معتمد أولمبياً يُعيد تعريف الرياضة المجتمعية | أُركض – Urkod
عدائين الإمارات: من أربعة أصدقاء إلى ماراثونات العالم – Urkod
5:30 Run — نادي الجري الذي لم يتوقف حتى في زمن الوباء – Urkod
