قصة الماراثون.. من أسطورة فيديبيدس إلى 42.195 كيلومتراً
من أين جاءت قصة الماراثون
في عام 490 قبل الميلاد، وعلى بُعد نحو أربعين كيلومتراً من أثينا، كانت سهول منطقة “ماراثون” مسرحاً لمعركة أصبحت واحدة من أشهر المعارك في التاريخ القديم.
هناك، وبقيادة القائد اليوناني ميلتيادس، واجه الجيش اليوناني الجيش الفارسي في مواجهة كان لها أثر كبير على تاريخ اليونان. وبعد انتصار اليونانيين، وُلدت بعد قرون قصة أخرى ستتجاوز المعركة نفسها في شهرتها: قصة الجندي الذي ركض من ماراثون إلى أثينا ليحمل خبر النصر، ثم سقط ميتاً من شدة الإعياء.
تلك هي القصة التي يعرفها معظمنا عن الماراثون.
لكنها ليست القصة التي يرويها أقدم مصدر تاريخي وصلنا عن المعركة.
من هو فيديبيدس؟
بحسب المؤرخ اليوناني هيرودوت، الذي كتب عن الحروب الفارسية بعد عقود من وقوعها، كان فيديبيدس (أو فيليبيدس، كما يرد الاسم في بعض المخطوطات) عدّاءً ورسولاً يونانياً محترفاً في الجري لمسافات طويلة.
لكن المهمة التي سجلها هيرودوت لم تكن الجري من ماراثون إلى أثينا بعد المعركة، بل جرت قبلها. أرسل القادة اليونانيون فيديبيدس من أثينا إلى إسبرطة لطلب المساعدة العسكرية، فقطع نحو 246 كيلومتراً في اتجاه واحد، وعاد بعدها إلى أثينا، في رحلة أصبحت لاحقاً مصدر إلهام سباق “سبارتاثلون” الشهير.
أما الجري الشهير من ماراثون إلى أثينا، والذي ينتهي بموت الرسول بعد إعلان النصر، فلا وجود له في رواية هيرودوت إطلاقاً. لم يكتب عنه حرفاً واحداً رغم أنه كان الأقرب زمنياً للحدث بين كل من كتبوا عنه.
من أين جاءت قصة الموت إذن؟
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية والأكثر تعقيداً.
بعد نحو خمسة قرون من المعركة، كتب المؤرخ اليوناني بلوتارخ (حوالي عام 100 ميلادية) في مقالته “في مجد أثينا” أول رواية معروفة عن رسول مات بعد إعلان النصر. لكن بلوتارخ لم يسمِّه فيديبيدس؛ فهو ينقل عن الفيلسوف هيراكليدس البونتي (الذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد) أن اسم الرسول كان ثِرسيبوس، بينما يذكر أن معظم المؤرخين الآخرين في عصره كانوا يقولون إن اسمه إيوكليس، وأنه ركض من ساحة المعركة مباشرة وهو لا يزال يرتدي درعه، ليموت بعد إعلان الانتصار.
ويُعد الكاتب الساخر لوسيان الساموساطي (القرن الثاني الميلادي)، في مقالته “زلة لسان في التحية”، أقدم مصدر معروف يربط اسم فيديبيدس تحديداً بهذه الرواية، أي بعد أكثر من ستمائة عام من المعركة نفسها.
بمعنى آخر: الاسم الذي التصق بالأسطورة لا يظهر في أقدم الروايات التي نقلت قصة الرسول الذي مات بعد إعلان النصر.
هل ركض فيديبيدس فعلاً من ماراثون إلى أثينا؟
على الأرجح لا، أو على الأقل، لا دليل تاريخي موثوق يؤكد ذلك.
أقدم مصدر لدينا في عصرنا الحالي عن المعركة (هيرودوت) لا يذكر هذا الجري إطلاقاً. وأول من رواه (بلوتارخ) نسبه لاسم مختلف تماماً. والاسم الذي نعرفه اليوم لم يظهر إلا بعد ستة قرون من الحدث، على يد كاتب معروف بالسخرية الأدبية لا بالتأريخ.
هذا لا يعني أن القصة اختُلقت من فراغ بالضرورة، فربما كان هناك بالفعل رسول حمل الخبر، لكن التفاصيل الدرامية (الموت، الكلمات الأخيرة، حتى الاسم نفسه) تراكمت وتطورت عبر قرون من إعادة الرواية، لا كحقيقة مسجلة في وقتها.
لماذا سُمي السباق باسم “ماراثون”؟
الاسم جاء ببساطة من اسم مكان المعركة نفسها؛ سهل ماراثون، الواقع شمال شرق أثينا. لم يكن السباق موجوداً في العصور القديمة أصلاً؛ فأطول سباق جري في الألعاب الأولمبية القديمة كان سباق “الدوليخوس” (Dolichos)، وهو أقصر بكثير من مسافة الماراثون الحديثة.
الفكرة وُلدت في القرن التاسع عشر، حين كان الفرنسي بيير دي كوبرتان يعمل على إحياء الألعاب الأولمبية في صورتها الحديثة. وفي عام 1894، اقترح اللغوي والمؤرخ الفرنسي ميشيل بريال إقامة سباق طويل جديد كلياً، مستوحى من أسطورة الرسول الذي ركض من ماراثون إلى أثينا، ليكون حدثاً مميزاً في أول دورة أولمبية حديثة بأثينا عام 1896.
لم يكن الماراثون إذن استعادة لرياضة قديمة، بل ابتكاراً حديثاً استعار اسمه وقصته من أسطورة يونانية عمرها أكثر من ألفي عام.
أول ماراثون أولمبي
أقيم أول ماراثون أولمبي في أثينا عام 1896، وكانت المسافة نحو 40 كيلومتراً، أي قريبة من المسافة الفعلية بين سهل ماراثون وأثينا.
والفائز الأول كان اليوناني سبيريدون لويس، الذي عمل قبل السباق ناقلاً للمياه، ولم يكن يمتلك خلفية تدريبية احترافية بالمعنى الذي نعرفه اليوم. فوزه أمام الجمهور اليوناني في استاد باناثينايكو حوّله فوراً إلى بطل قومي، وأعطى السباق الجديد زخماً عاطفياً ورمزياً ساعد في ترسيخه كجزء أساسي من الألعاب الأولمبية منذ نسختها الأولى.
لماذا الماراثون 42.195 كيلومتراً؟
إذا كان أول ماراثون أولمبي نحو 40 كيلومتراً فقط، فمن أين جاء الرقم الدقيق الذي نعرفه اليوم؟
الإجابة تعود إلى أولمبياد لندن عام 1908. أراد المنظمون البريطانيون أن ينطلق السباق من أمام قلعة وندسور، وأن ينتهي داخل الملعب الأولمبي أمام المقصورة الملكية تحديداً. نتيجة هذا التصميم للمسار، أصبحت المسافة الفعلية 26 ميلاً و385 ياردة، أي 42.195 كيلومتراً.
لم يكن أحد في تلك اللحظة يخطط لصناعة معيار عالمي؛ كانت ببساطة مسافة مسار سباق واحد، صُممت لأسباب احتفالية ولوجستية خاصة بتلك النسخة تحديداً. لكن الرقم بقي، وتكرر استخدامه في السنوات التالية، إلى أن اعتُمد رسمياً عام 1921 كمعيار موحد لمسافة الماراثون في كل العالم، وهو المعيار الذي ما زال سارياً حتى اليوم.
من أسطورة يونانية إلى سباق عالمي
منذ أثينا عام 1896، خرج الماراثون من حدود الألعاب الأولمبية ليصبح رياضة عالمية قائمة بذاتها. ظهرت سباقات كبرى في مدن مثل بوسطن وبرلين ولندن ونيويورك وشيكاغو وطوكيو (سباقات باتت تُعرف اليوم مجتمعة باسم بطولة أبوت لسباقات الماراثون الكبرى)، وأصبح آلاف العدّائين حول العالم، ومن بينهم عدّاؤون عرب، يضعون هدف 42.195 كيلومتراً أمامهم عاماً بعد عام عبر عشرات السباقات المنتشرة حول العالم.
لم يعد الماراثون حكراً على النخبة. قد يقف على خط البداية عدّاء يبحث عن رقم شخصي جديد، وآخر يخوض أول ماراثون في حياته، وثالث قطع آلاف الكيلومترات ليصل إلى هذا اليوم تحديداً.
وهنا يتغير معنى القصة القديمة نفسها: فيديبيدس، في الأسطورة، كان يركض ليوصل رسالة لغيره. أما العدّاء اليوم، فيركض ليكتب رسالة تخصه هو وحده.
الماراثون ليس مجرد 42.195 كيلومتراً
وراء هذا الرقم معركة عسكرية قديمة، رسول غير معلوم الهوية، مؤرخ سجّل القصة بعد خمسة قرون باسم مختلف، كاتب ساخر ثبّت الاسم الذي نعرفه اليوم بعد ستة قرون من الحدث، فرنسي حوّل الأسطورة إلى سباق، يوناني فاز بأول نسخة أولمبية، ومسار أولمبي في لندن عام 1908 أعطى المسافة شكلها الذي نعرفه اليوم.
لا يستطيع أحد أن يثبت أن فيديبيدس ركض فعلاً بالطريقة التي ترويها الأسطورة. لكن كل عدّاء يقف اليوم على خط بداية أي ماراثون في العالم يركض مسافة وُلدت من تلك الحكاية، وتطورت عبر أكثر من ألفي عام حتى أصبحت واحدة من أشهر تحديات الجري في العالم.
إنها قصة بدأت برسالة، ببشارة نصر، تحولت إلى سباق، ثم حكايات انتصار فردية يكتبها العدائون كل بطريقته.
اركض…حكايتك
المصادر
- هيرودوت، التواريخ، الكتاب السادس — حول مهمة فيديبيدس إلى إسبرطة
- بلوتارخ، في مجد أثينا — أول رواية معروفة عن الرسول الذي مات بعد إعلان النصر
- لوسيان الساموساطي، زلة لسان في التحية — أقدم مصدر معروف يربط اسم فيديبيدس بالرواية
- الاتحاد الدولي لألعاب القوى (World Athletics)، تاريخ اعتماد مسافة الماراثون الرسمية
- اللجنة الأولمبية الدولية، أرشيف ماراثون أثينا 1896 ولندن 1908
(نصوص هيرودوت وبلوتارخ ولوسيان تعود الى تحليلات تاريخية حديثة موثوقة، لا النصوص الأصلية مباشرة.)
اقرأ أيضاً
هل تريد الاطلاع على كل مقال جديد فور نشره؟
انضم إلى قناتنا على واتساب، حيث يتم نشر كل مقال جديد فورًا، بمجرد نشره.
تفضل ملخصًا شهريًّا بدلاً من ذلك؟
اشترك في نشرة أركض الشهرية للحصول على نظرة شاملة ومختارة بعناية بأهم ما تم نشره، وكل ما يهم العدائين العرب.
