50 كيلومتراً في المول، هدية عيد ميلاد
|

50 كيلومتراً في المول، هدية عيد ميلاد

في الأول من اغسطس من كل عام، يحتفل الكابتن أبو ناصر – احد مؤسسي فريق عدائي الإمارات – بذكرى ميلاده. ولأن ذكرى هذا العام كانت الذكرى الخمسين من عمره المديد،  أراد الكابتن ربيع الأخضر وهو أحد اعمدة الفريق أن يقدم له هدية مختلفة، ليست كالهدايا التي يتداولها الناس. فكر كثيراً، واعاد التفكير، فالهدايا مهما غلى ثمنها تبقى رخيصة على الأعزاء والأحبة،  فقرر ان يهديه شيئاً لا يُشترى بالمال، بل شيء يعرفه جيدًا ويحبه كثيراً. قرر الكابتن ربيع أن يركض 50 كيلومتراً في المول، هدية عيد ميلاد صديقه، كيلومترًا عن كل سنة من عمر ابو ناصر.

ولأن اجواء الصيف لا تسمح بالركض خارجاً، اختار أن يفعلها داخل “المول”.

الدوران لساعات في مكان مغلق، بين جدران مركز تجاري، لكنه بالنسبة لبطل قصتنا ربيع الأخضر لم يكن تمرينًا يبحث من خلاله عن رقم جديد. كان الأمر شخصيًا. فأبو ناصر شخص له قدره وصاحب فضل على كثير من العدائين حوله، فكانت هذه طريقته في قول “شكرًا، كل عام وأنت سند وذخر، وعسى عمرك يطول”. فمن يعرف مسيرة ربيع الأخضر وابو ناصر يعرف تماماً مقدار حبهما لرياضة الجري.

في السادسة عشرة، تغير كل شيء

بدأت الحكاية في صباح احد ايام العام 2011. كان ربيع شاباً يافعاً، مراهقاً في السادسة عشرة من عمره عندما اشتعلت الحرب في سوريا، غادرها في ذلك اليوم هرباً من نارها وجحيمها بعد ان تعرض لآلام الفقد في عائلته، لم تكن المسألة رياضية ولا ترف سفر، كان في سن أصغر بكثير من أن يدرك صعوبة الغربة.

يقول الكابتن ربيع: وصلت إلى بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى، حيث كان يقيم ويعمل خالي، قائداً لقوة تابعة للأمم المتحدة لحفظ السلام هناك. لا احمل معي سوى حقيبة صغيرة حزمت بها خوفي، وحزني، وآلامي. لم أكن جنديًا ولا تابعاً لقوة الأمم المتحدة ولا لأية جهة اخرى، كنت شاباً يافعاً لجأ لحيث يقيم خاله بحثاً عن الأمن والامان. ولأنني كنت قوي البنية، عدّاءً بالفطرة، وصاحب لياقة بدنية عالية، مارست رياضة الجري تحت اشرافه. ثم بدأت دخول مسابقات الجري في المحيط العسكري، وحققت نتائج لفتت الانتباه إلى سرعتي وقدراتي الرياضية.

50 كيلومتراً في المول، هدية عيد ميلاد

كانت الرياضة متنفسه، ساعة من اليوم تعينه على الوحدة والألم الذي يختلج داخله. تدريب، وتمرين ومسافة يجب أن ينهيها، شيءٌ يومي يستطيع التركيز عليه في وقت كان كثير من الأشياء من حوله تتغير بسرعة.

ربما لهذا بقي الجري معه بعد أن تغيرت البلدان والوظائف والسنوات.

أفريقيا ثم دبي ولبنان… ثم دبي مرة أخرى

لم تكن السنوات التالية مستقرة في مكان واحد. انتقل ربيع من أفريقيا إلى دبي، ثم مر بمرحلة في لبنان، قبل أن يستقر لاحقًا في الإمارات ويواصل هناك مسيرته الرياضية والمهنية.

مع استمرار التدريب وتطور مستواه، تحولت مشاركاته من سباقات ونتائج محلية إلى تحديات أكبر. من المحطات التي يذكرها في مسيرته دخوله موسوعة غينيس للأرقام القياسية، إلى جانب مشاركات رياضية خاضها تحت اسم الشرطة.

لكن بعيدًا عن عدد الأرقام نفسها، لم يبق الجري هواية او نشاطًا منفصلًا عن بقية حياته، بل اصبح جزأً من حياته ومصدر رزقه، حيث دخل مجال التدريب والعمل الرياضي.

من الركض إلى تأهيل المدربين

يقول الكابتن ربيع، في عام 2025، توليت رئاسة قسم اداء التحمل وتدريب الجري في اكاديمية IFPE Academy لتخريج المدربين، والمعتمدة رسميًا في دولة الإمارات. ومن ثم اضيفت لي مسؤولية جديدة تتعلق بالإشراف على اختبارات VO2 Max والعمل مع الأخصائيين الرياضيين في الاكاديمية قبل أيام قليلة فقط.

إذا كنت عداءً، فربما تعرف VO2 Max من الرقم الذي يظهر على ساعتك بعد التدريبات. أما في البيئة المتخصصة، فالاختبار يُستخدم لتقييم القدرة الهوائية ومتابعة الأداء بصورة أدق.

دور الكابتن ربيع هنا لا يتوقف عند إجراء الاختبار. فجزء أساسي من عمله، كما يشرحه، يتعلق بتأهيل المدربين. الشخص الذي يريد أن يصبح مدرباً يمر بالاختبارات والمعايير المطلوبة قبل اعتماده.

بالنسبة له، هذه المرحلة لها معنى مختلف عن الفوز في Race. هو من يختبر المدربين الساعين للحصول على شهادات التدريب.

النتيجة لم تعد رقمه الشخصي فقط. أصبح مسؤولًا عن معرفة المدرب الذي سيتعامل لاحقًا مع عدائين آخرين، وعن التأكد من أن من يدخل هذا المجال لديه الكفاءة  العالية والمستوى المطلوب. أصبح الكابتن ربيع الذي كان يتلقى التوجيه من خاله في افريقيا الوسطى،

50 كيلومتراً في المول، هدية عيد ميلاد

90 كيلومترًا في لبنان

وسط كل المسافات التي ركضها الكابتن ربيع، هناك واحدة لم ولن ينساها: 90 كيلومترًا في لبنان.

بدأ التحدي بخمسين عداءً. ولم يصل منهم الى خط النهاية سوى الكابتن ربيع وستة عشر عداءً اخر فقط.

لا يحتاج هذا الرقم إلى وصف طويل حتى نفهم صعوبة اليوم. في سباقات هذه المسافات، تبدأ المواجهة الحقيقية بعد عدد كبير من الكيلومترات، اقلها 30 كيلومتراً. عندما لا يعود السؤال هو إن كنت قادرًا على الركض سريعًا، بل إن كنت تستطيع الاستمرار أصلًا.

بالنسبة لربيع، بقي سباق ـ90 كيلومترًا أطول ركضة في مسيرته حتى الآن. ومن المؤكد، ان شخصاً مثله سيسعى يوماً لكسر هذا الرقم.

عندما تصبح المسافة رسالة

ومن المثير أن شخصًا لديه مثل هذه الخبرة والتجربة، لا يتحدث عن كل ركضة باعتبارها منافسة او محاولة لكسر رقم شخصي. فبعض أكثر ركضاته أهمية بالنسبة إليه ارتبطت بأشخاص أو مناسبات. كما في ركضة الخمسين كيلومترًا في عيد ميلاد أبو ناصر. وهذه لم تكن المناسبة الوحيدة، ففي العام الماضي، احتفل الكابتن ربيع بالذكرى الرابعة والخمسين لليوم الوطني الإماراتي بطريقته الخاصة، فركض 54 كيلومترًا.

اما الهدف التالي فهو محدد بالفعل بتاريخ 2 ديسمبر المقبل، حيث سيركض 55 كيلومترًا تزامنًا مع الاحتفال بالذكرى الخامسة والخمسين لقيام دولة الإمارات.

قضى ربيع سنوات طويلة من حياته متنقلًا، الا ان الامارات احتلت مكانة خاصة في قلبه. فهناك استقر، وهناك أكمل جزءًا كبيرًا من مسيرته الرياضية، وهناك انتقل إلى التدريب والعمل الأكاديمي الرياضي، حيث وجد الامن والامان الذي قضى عمره بحثاً عنه، ووجد لقمة العيش الكريمة بين اهله من اهل الامارات.

«إذا بدك تبدأ، أنا بساعدك»

لا يتحدث بطلنا عن VO2 Max ولا عن غينيس ولا عن 90 كيلومترًا عندما يتعلق الامر بالأشخاص الذين يريدون الدخول إلى عالم الجري. يقول ربيع، انا مستعد أن أعطي من وقتي وجهدي لكل من يريد أن يبدأ، مستعد لان انزل معه الى الميدان لاعلمه بنفسي كيف يستخرج افضل ما بداخله. فكرته الأساسية أن الإنسان قادر على تجاوز كثير من الحدود التي يضعها أمام نفسه إذا آمن بقدرته ووجد الأشخاص الذين يدعمونه.

ومن السهل أن تتحول جملة كهذه إلى شعار إذا عُزلت عن صاحبها. لكنها بالنسبة إليه مرتبطة بأشياء عاشها فعلًا: أن تبدأ من جديد في السادسة عشرة، وأن تعيش بعيدًا عن بلدك، ثم تبني بالتدريج حياة يكون للرياضة فيها مكان أساسي.

وهو يتحدث أيضًا بصراحة عن المال. يقول إن الجانب المادي ليس ما يجذبه إلى التدريب، وإن أكثر ما يعنيه بالنسبة إليه هو أن يرى شخصًا بدأ من نقطة معينة ثم تطور ووصل إلى مستوى لم يكن يتوقعه.

ربما يفسر هذا لماذا انتقل دوره مع السنوات من عداء يسعى إلى تحسين رقمه إلى شخص يعمل مع المدربين أنفسهم.

ما زال هناك كيلومتر آخر

من السهل جمع قصة الكابتن ربيع في قائمة: أرقام قياسية سجلت في غينيس، 90 كيلومترًا في لبنان، 50 كيلومترًا في عيد ميلاد شخص عزيز عليه، مسؤولية عن اختبارات VO2 Max وتأهيل المدربين.

لكن هذه القائمة وحدها لا تشرح لماذا استمر في الجري. ففي السادسة عشرة من عمره، لم يكن يعرف أين ستقوده الرياضة. كان شابًا يعيش مرحلة ثقيلة من حياته، وجد في الركض شيئًا يعينه على ضنك العيش ومرارة الحياة. بعد سنوات، أصبح الجري عمله، ومجتمعه، والطريقة التي يحتفل بها أحيانًا بمن يحبهم.

وفي 2 ديسمبر، ستحتفل الإمارات بيومها الوطني، وسيركض ربيع الاخضر 55 كيلومترًا، بعدد شمعات كعكة عيد ميلادها. تُرى، ماذا بعد يا كابتن ربيع؟

حساب ربيع الأخضر على موقع إنستغرام

See read

من سرير الشفاء الى منصات التتويج – سامح الزغول – Urkod

Similar Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *