رهف الخطيب.. من ارهاق ما بعد الولادة إلى أول سورية تُكمل الماجورز الستة
لم تكن رهف الخطيب رياضية بالفطرة، ولم تكن جدران غرفتها مزينة بميداليات ولا بأرقام قياسية. كانت مجرد امرأة، ربة منزل، وأم غارقة حتى أنفاسها الأخيرة في دوامة إرهاق ما بعد الولادة. تلك الحالة النفسية الثقيلة، والرمادية، التي تعقب الإنجاب وتسرق من المرأة إحساسها بذاتها، كانت تطبق على صدرها كل يوم. لم تكن تبحث عن منصات تتويج، بل كانت تبحث عن مساحة صغيرة تتنفس فيها بعيداً عن مسؤوليات الأمومة التي لا تنتهي. كان ذلك في صيف العام 2012.
في النادي الرياضي المحلي الذي كانت تصطحب أطفالها إليه هرباً من روتين البيت، اقترحت عليها إحدى المدربات فكرة بدت لها في حينها أقرب إلى المزحة، “جرّبي المشاركة في سباق 5 كيلومترات”. لم تكن رهف تعرف حتى كيف “تركض” بالمعنى الحرفي للكلمة. لم تكن تملك حذاءً مخصصاً لقطع المسافات، ولا ساعة ذكية تقيس نبضها، ولا خطة تدريب. لكن الفكرة اثارت اهتمامها، ففعلت. لم تفعل ذلك حباً في السرعة، بل لأنها، كما تصف نفسها، امرأة تكره الاستسلام وتتوق لتحدي قدراتها الذاتية.
بعد نحو أربعة أسابيع من التدريب البسيط الذي يكاد لا يُذكر، سجّلت في سباق 10 كيلومترات. وفي صباح السباق، وقفت بين مئات العدائين تتساءل عما تفعله هناك. لم يكن الهدف منافسة من يركض بجوارها، كان هدفها الوحيد هو ألا تتوقف قدماتها عن الحركة حتى تعبر خط النهاية. في تلك اللحظة، حين عبرت ذلك الخط، تغيّر شيء ما داخلها. تبدلت كيميائها، وتغير عقلها. تقول رهف: “شفت كيف الركض خلاني أحس بنفسي، وحسيت حالي قوية وفخورة إني قدرت أكمل هالمسافة”. لم تعبر خط النهاية كأم استنزقتها مسؤوليتها، بل عبرته كعداءة اكتشفت لتوها أنها تملك قوة عجيبة لم تكن تدرك وجودها، تماماً كبيتر باركر في افلام سبايدرمان.
من مسافة 10 كيلومترات إلى نجمة “أبوت” السداسية
تلك الكيلومترات العشرة لم تكن سوى شرارة أشلعت حريقاً لم ينطفئ. من تلك المسافة، تدرجت رهف لتركض نصف الماراثون، ثم اتخذت القرار الأصعب بخوض أول ماراثون كامل لها (42.2 كيلومتراً) في مدينة ديترويت عام 2014 برغم حداثتها في رياضة الجري في ذلك الوقت. كانت تلك التجربة القاسية كافية لتجعلها تدرك أن الماراثون ليس مجرد اختبار للياقة البدنية، بل هو معركة طاحنة بين عقل يصرخ مطالباً بالتوقف، وإرادة صلبة ترفض الانكسار.
اليوم، وبعد سنوات من ذلك السباق، تحمل رهف في جعبتها رصيداً مذهلاً، 11 ماراثوناً كاملاً، ونحو 20 نصف ماراثون، وسباقي ترياثلون. لكن الإنجاز الأبرز الذي حفر اسمها في تاريخ الرياضة العربية، هو تتويجها كأول سورية في التاريخ تُكمل ماراثونات العالم الكبرى الستة (Abbott World Marathon Majors)، حاصدة نجمتها السداسية بعد أن عبرت خطوط النهاية في بوسطن، نيويورك، شيكاغو، لندن، برلين، وطوكيو.
لكن الأرقام، مهما كبرت، لا تروي القصة الكاملة. فالركض بالنسبة لرهف لم يكن يوماً استعراضاً للسرعة أو لهثاً خلف الصورة. تقول بشفافية تامة: “ما كان هدفي إني أكون أسرع وحدة أو أوصل أول واحدة. كان هدفي إني أوصل، وأثبت لنفسي إني قوية وقادرة”.

هذا الصراع الداخلي بين الرغبة الشرسة في التحدي، والحاجة الماسة إلى إيجاد معنى أعمق من مجرد الميداليات، ظل يرافقها في كل تدريب، وفي كل سباق. تصف علاقتها بالركض بأنها “علاقة حب وكره في آن معاً”؛ فهناك أيام تعشق فيها الجري بجنون، وأيام أخرى تستيقظ فيها فجراً وعضلاتها تصرخ ألماً، لتتساءل بمرارة: “ليش عم ساوي بحالي هيك؟”. لكنها، رغم كل شيء، لا تترك الركض أبداً. لقد وجدت فيه ملاذها الذي لا تجده في أي مكان آخر، ذلك الشعور العميق بالاعتناء بنفسها، بعقلها وبجسدها، وتخصيص وقت من يومها لها وحدها، ليس ليوم فقط، بل كاستثمار حقيقي طويل الاجل لبقية عمرها.
اختبار المبادئ في نيويورك.. الخسارة التي صنعت التاريخ
في عام 2015، لاحت أمام رهف فرصة ذهبية لتغيير مسارها ومسار النساء اللواتي يشبهنها. أعلنت مجلة “Runner’s World” الأمريكية الشهيرة عن مسابقة لاختيار وجه غلافها القادم من بين القراء والعدائين الهواة. رأت رهف في هذه المسابقة فرصة لإيصال صوت العداءة المحجبة إلى صدارة المشهد الرياضي العالمي. عملت بجهد مضنٍ لثلاثة أشهر متواصلة، حشدت خلالها الأصوات، ونسقت الحملات على الإنترنت وعلى الأرض، حتى ادرج اسمها ضمن قائمة الأسماء العشرة النهائية التي سيتم اختيار وجه الغلاف القادم من ضمنها.
حزمت حقائبها وسافرت إلى نيويورك، امضت أياماً مكتظة بمقابلات هنا، وجلسات تصوير هناك، حاملة بداخلها أحلام تغيير الصورة النمطية للمرأة المسلمة في الرياضة. حتى جاء ذلك اليوم الذي انتظرته طويلاً.
في استوديوهات نيويورك، كان قلبها بخفق بشدة لحظة دخولها الى الاجتماع مع مسؤولي المجلة. استقبلها الفريق بحفاوة وتم اخبارها بانه قد تم اختيارها وجهاً للعدد القادم من المجلة ولكنها لن تظهر وحيدة. دون اكتراث بعقيدتها او مبادئها. أخبرها القائمون على المجلة أن شرطهم لظهورها على الغلاف القادم يتطلب ظهورها الى جانب رجل يرتدي سروالاً داخلياً، فقط!
كانت تلك اللحظة نقطة صدام مباشر بين طموح رياضي يلامس عنان السماء، وهوية دينية وشخصية لا تقبل المساومة. لم تتردد رهف لحظة واحدة، رفضت بثبات ما يتعارض كلياً مع قيمها كامرأة محجبة. تمسكت بحجابها وقناعاتها، وكانت النتيجة انها خسرت الغلاف، ولكنها بالتأكيد ربحت رهف.
تصف رهف تلك العودة من نيويورك بأنها كانت من أقسى اللحظات في مسيرتها، “تعبت ثلاثة شهور كاملة، بنيت آمالاً كبيرة، وبالآخر حسيت حالي خسرت كل شي بلحظة واحدة”. عادت إلى منزلها بقلب مثقل بالخيبة، لكنها تشبثت بآية قرآنية كانت ولا تزال بوصلتها في كل عاصفة: “وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ”.
لم تكن تعلم أن هذه الخسارة كانت مجرد تمهيد لانتصار أكبر، وبشروطها هي. فبعد أشهر قليلة، وبينما كانت تحاول نسيان خيبة نيويورك، وصلتها رسالة الكترونية من إدارة مجلة “Women’s Running” المرموقة. لم يطلبوا منها الدخول في مسابقة، ولم يملوا عليها شروطاً لملابسها، بل عرضوا عليها مباشرة الظهور على غلاف مجلتهم بحجابها الكامل، وبملابسها المحتشمة التي تمثلها.

في أكتوبر 2016، صدر العدد الذي انتظرته طويلاً، لتصبح رهف الخطيب أول امرأة محجبة في التاريخ تتصدر غلاف مجلة رياضية أمريكية. لم يكن مجرد غلاف، كان بالنسبة لرهف إعلاناً صريحاً بانتصار المبادئ وبأن الرياضة تتسع للجميع. تقول رهف عن تلك التجربة: “فهمت يومها إن الشي يلي حسيته إنه أذاني وكسرني، كان بالحقيقة الطريق لشي أحسن بكتير”.
الركض من أجل سوريا.. حين يصبح الماراثون قضية
بعد ذلك الغلاف التاريخي، انفتحت أمام رهف أبواباً لم تكن تتجرأ حتى على رؤيتها في أجمل احلامها. توالت عليها العروض من علامات رياضية عالمية، كان أبرزها مشاركتها في حملة ضخمة لشركة “أديداس” احتفت بها كوجه رائد للرياضيات المحجبات. وتلقت دعوات لإلقاء الكلمات في معارض كبرى مثل معرض ماراثون شيكاغو، وحتى دعوة خاصة لتقديم عرض في سلطنة عُمان. لكن بالنسبة لرهف، لم يكن بريق الإعلام ولا عقود الرعاية هو الإنجاز الأهم في حياتها.
الإنجاز الأكبر تبلور في سياق سياسي وإنساني معقد. ففي خضم موجة التوترات وقرار حظر السفر الذي استهدف عدداً من الدول ذات الغالبية المسلمة في الولايات المتحدة، قررت رهف خوض ماراثون بوسطن في عام 2017. هذا الماراثون ليس مجرد سباق، إنه أحد أعرق سباقات الماراثون في العالم وأكثرها هيبة، تاريخه يمتد لأكثر من مئة عام، والوصول إلى خط بدايته يتطلب أرقاماً تأهيلية قاسية.
لكن رهف لم تكن لتركض في بوسطن من أجلها ومن أجل ارقامها، بل قررت خوض السباق بشرط واحد وضعته لنفسها، أن تجمع تبرعات لللاجئين السوريين الفارين من جحيم الحرب. أطلقت حملة تبرعات عبر منصة “LaunchGood” لصالح الشبكة السورية الأمريكية للإنقاذ (SARN)، ونجحت في جمع 16 ألف دولار بالكامل لمصلحة اللاجئين، دون أن تقتطع قرشاً واحداً لنفسها.
هذا الموقف الاستثنائي لفت أنظار الصحافة العالمية. التقطت محطات إخبارية كبرى، من بينها شبكة CNN، قصتها، لتتحول رهف فجأة من عداءة إلى صوت إعلامي وإنساني في قلب نقاش وطني أمريكي حساس. تقول بفخر واضح: “كنت فخورة إني سورية، وإني قدرت أعمل هالشي لبلدي، ولأبي رحمه الله، يلي كان ناشط كبير بالقضية السورية”. كانت رهف قد فقدت والدها، لكنها في شوارع بوسطن، حملت اسمه، وإرثه، وقضيته، لتعبر بها خط النهاية أمام صحافة وكاميرات العالم.
الجسد أمانة.. ورسالة لم تنتهِ
اليوم، لم تعد رهف الخطيب تقيس مدى نجاحها بعدد الماراثونات التي أكملتها، أو بالميداليات التي تزين حائطها. الإنجاز الحقيقي بالنسبة لها هو ما أحدثه الركض في شخصيتها. تقول إن هذا الرياضة أخرجتها من “الفقاعة” المريحة والضيقة التي كانت تعيش داخلها، ودفعتها للتواصل مع عوالم، وثقافات، وأُناس لم تكن لتلتقي بهم يوماً لولا دروب الجري. هذا الانفتاح منحها ثقة صلبة بنفسها، لا تعتمد على مظهرها بل على ما تستطيع إنجازه.
تربط رهف هذه العلاقة مع الرياضة بقناعة دينية وفلسفية راسخة: “جسمنا أمانة من الله، وإحنا مسؤولين شو منعمل فيه، وكيف بنحافظ عليه. وللأسف، إحنا كعرب ومسلمين، ما منحكي كفاية عن أهمية تحريك الجسم كجزء أساسي من ديننا ومن شكرنا على هذه النعمة”. هذا الوعي هو الرسالة التي تسعى اليوم لنشرها وتأصيلها في مجتمعها، لكسر الصورة النمطية التي تفصل بين الالتزام الديني والنشاط البدني الشاق.
ولهذا، حين سُئلت عن طموحها القادم، لم تتحدث عن تحطيم رقم قياسي جديد، أو إضافة ماراثون دولي آخر إلى سجلها الحافل. حلمها الأكبر يتجاوز المضامير الغربية، فهي تطمح أن تساهم يوماً ما في تنظيم ودعم سباق جري في شوارع دمشق، مدينة أجدادها، حيث ترحل عيونها كل يوم. وربما في بيروت أيضاً او اي مدينة عربية اخرى. هي محاولة لرد الجميل للعالم العربي الذي يشكل نسيج هويتها الأصيل. وتضيف بحماس: “حابة أشجع نساء عربيات ومسلمات تانيات إنهم ياخدوا أدوار قيادية، مش بس يركضوا بالسباقات، بل ان يكونوا في مواقع التنظيم وصنع القرار الرياضي”.
أما هويتها الرقمية التي ابتكرتها بنفسها، منذ أن أطلقت أول مدونة لها في وقت لم يكن يعرفها فيه أحد ولم تمتلك فيه أي متابعين، فما زالت صامدة كما هي: “Run Like a Hijabi” (اركضي كفتاة محجبة). هذه العبارة البسيطة التي صاغتها في زمن لم تجد فيه أي امرأة تشبهها في عالم الجري، أصبحت اليوم بصمتها وشعارها الذي يحمل اسمها في كل مكان، من منصات التواصل الاجتماعي إلى حملات كبرى شركات المعدات الرياضية العالمية.
لكن “Run Like a Hijabi” ليست مجرد اسم لمدونة، إنها تذكير يومي، لها ولكل امرأة تقرأ قصتها، بأنها لم تقف في الطابور تنتظر أن يفسح لها العالم مكاناً، ولم تساوم على مبادئها لتُقبل في الأوساط المغلقة. بل صنعت مكانها بنفسها، ونحتت اسمها في صخر الصعوبات، خطوة بعد خطوة، وماراثوناً بعد ماراثون.
يمكنك متابعة حساب رهف الخطيب على الانستغرام ان وجدت في قصتها ما يلهمك.
اركض… حكايتك 🏃
سالم المطوع… العدّاء الكويتي الذي لا يركض دون علم فلسطين – Urkod
“ليه لأ؟”.. رحلة أول أم مصرية إلى ماراثونات العالم الكبرى – Urkod
العكازات التي قادت الإنجازات.. حكاية عطارد عبدالله مع الجري والروماتيزم – Urkod
هل تريد الاطلاع على كل مقال جديد فور نشره؟
انضم إلى قناتنا على واتساب، حيث يتم نشر كل مقال جديد فورًا، بمجرد نشره.
تفضل ملخصًا شهريًّا بدلاً من ذلك؟
اشترك في نشرة أركض الشهرية للحصول على نظرة شاملة ومختارة بعناية بأهم ما تم نشره، وكل ما يهم العدائين العرب.
