نجوم عرب في كأس العالم 2026 – الجري، اللياقة والتحمل
أشرقت شمس صيف عام 2026 على الملاعب الشاسعة في الولايات المتحدة، كندا، والمكسيك، لن يكون المشهد اعتياديًا بالنسبة لنا كجمهور عربي. نحن نتحدث عن إنجاز تاريخي غير مسبوق؛ ثمانية منتخبات عربية حزمت حقائبها وعبرت المحيط للمشاركة في أضخم محفل رياضي على وجه الأرض. من قارة آسيا، تأتينا قوة التحمل الخليجية متمثلة في السعودية وقطر، بجانب الصلابة البدنية للعراق، والظهور الأول والتاريخي لنشامى الأردن. ومن قارة أفريقيا، يحضر التأسيس البدني الأوروبي الممزوج بالروح القتالية مع المغرب، مصر، الجزائر، وتونس.
لكن، دعونا نضع التحليلات التكتيكية، وتوقعات النتائج، وحسابات التأهل المعقدة جانبًا. منصة “أركض” لن تبحث في عدد الأهداف التي ستسجل، بل بعدد الكيلومترات التي ستُقطع. إذا حسبنا القوائم النهائية لهذه المنتخبات الثمانية، فنحن أمام أكثر من 200 لاعب عربي، أو بالأحرى، أكثر من 200 “عداء نخبة” سيطحنون عشب الملاعب الأمريكية. هذا الصيف، لن نراقب من سيسدد الكرة بشكل أفضل، بل سنراقب من سيمتلك الرئتين القادرتين على الاستمرار في الركض عندما تتجاوز الساعة الدقيقة السبعين، وتصبح الأرجل ثقيلة كأنها مغموسة في الإسمنت.
أرقام اللياقة للمنتخبات العربية — من الموهبة الفطرية إلى ماكينات الركض
لعقود طويلة، كانت السمعة الكلاسيكية للاعب العربي في البطولات الكبرى تتلخص في جملة واحدة: “موهبة فردية ساحرة، بلياقة بدنية تنهار في الشوط الثاني”. في الماضي، كنا نلعب كرة القدم بأقدامنا فقط، وكنا ندفع ثمن ذلك غاليًا أمام المنتخبات الأوروبية التي تلعب برئاتها وعضلاتها. لكن، الأرقام التي سجلتها أجهزة التتبع (GPS) في السنوات الأخيرة، وتحديدًا في المونديال الأخير، تخبرنا أن ثورة بدنية صامتة قد حدثت.
دعونا نقرأ الأرقام بلغة العدائين. في البطولات الكبرى المجمعة، يتجاوز متوسط المسافة التي يقطعها المنتخب العربي (كفريق كامل) حاجز الـ 110 إلى 115 كيلومترًا في المباراة الواحدة ذات الإيقاع العالي. لو قمنا بتوزيع هذه المسافة على اللاعبين العشرة (باستثناء حارس المرمى)، فنحن نتحدث عن متوسط لا يقل عن 10.5 إلى 11.5 كيلومتر لكل لاعب، تُقطع في 90 دقيقة.
منتخب مثل المغرب، الذي أذهل العالم في نسخته الأخيرة، لم يفعل ذلك بالسحر التكتيكي فقط، بل بالقدرة على إبقاء “كتلة الفريق” متقاربة والركض المستمر لتغطية المساحات. لاعبو خط الوسط في منتخبات مثل الجزائر وتونس ومصر، والذين ينشط أغلبهم في دوريات أوروبية تعتمد على الضغط العالي، يسجلون أرقامًا في الحد الأقصى لاستهلاك الأكسجين (VO2 Max) توازي أرقام عدائي مسافات متوسطة محترفين.
في الجانب الآسيوي، المنتخبات لا تقل شراسة. المنتخب السعودي، الذي يعتمد على أسلوب لعب ديناميكي، يفرض على لاعبيه معدلات ركض لاهوائي (Anaerobic Running) قاسية جدًا. والأردن، الذي يكتب تاريخه المونديالي الأول، يعتمد لاعبوه على مخزون لياقي هائل يُبنى في معسكرات مغلقة وشاقة. اللاعب العربي اليوم لم يعد ذلك الفنان الذي ينتظر الكرة لتأتيه، بل أصبح “عداءً يطارد الكرة”، يمتلك قاعدة هوائية (Aerobic Base) صلبة تتيح له الاستشفاء السريع بين المباريات التي تُلعب كل أربعة أيام.
بروفايل لياقة — سعود عبدالحميد.. محرك الديزل والانفجار المزدوج
إذا أردنا أن نضع اللياقة البدنية العربية تحت المجهر، فلن نجد نموذجًا فسيولوجيًا أكثر إبهارًا من النجم السعودي سعود عبدالحميد. هذا اللاعب ليس مجرد ظهير أيمن تقليدي؛ إنه دراسة حالة في علم وظائف الأعضاء الرياضي، ونموذج مثالي لما يسمى بـ “الركض الانفجاري المتكرر” (Repeated Sprint Ability – RSA).
في عالم الجري العادي الذي نمارسه، نحن نركض بوتيرة ثابتة، ونوزع مجهودنا بذكاء لننهي مسافة الـ 5 أو 10 كيلومترات دون أن ننهار. لكن الركض في مركز الظهير الأيمن العصري كما يفعله سعود هو كابوس فسيولوجي. إنه مطالب بأن يركض ببطء للتمركز، ثم ينفجر فجأة بأقصى سرعة ممكنة (تتجاوز 33 كيلومترًا في الساعة) لمسافة 40 أو 50 مترًا للحاق بجناح الخصم، ثم يتوقف تمامًا (وهو ما يمزق الألياف العضلية الدقيقة)، قبل أن ينطلق مجددًا في الاتجاه المعاكس لدعم الهجوم.
سعود عبدالحميد يمتلك ما نطلق عليه في عالم الجري “عتبة لاكتيك” (Lactate Threshold) استثنائية. حمض اللاكتيك هو ذلك السائل الحارق الذي يتراكم في عضلاتك عندما تجري بسرعة وتلهث بشدة، وهو الذي يجبرك على التوقف والشعور بالألم. جسد سعود مدرب بعبقرية على تحمل مستويات عالية جدًا من هذا الحمض في دمه، والأهم من ذلك، قدرة جهازه الدوري على التخلص من هذا الحمض وإعادة تدويره كطاقة في الثواني القليلة التي يمشي فيها بين الهجمات.
عندما تنظر إلى الخريطة الحرارية (Heat Map) لسعود بعد نهاية المباراة، لن تجد بقعة واحدة على الرواق الأيمن لم تحترق بحركته. إنه يمثل تطبيقًا عمليًا وحيًا لتدريبات الفارتلك (Fartlek) والتدريب المتقطع عالي الكثافة (HIIT) التي يقوم بها العداؤون لزيادة سرعتهم. مجهود هذا اللاعب يثبت أن اللياقة العربية قادرة على مجاراة الآلات البدنية الأوروبية والأمريكية اللاتينية، وأن المحرك العربي قادر على العمل بأقصى طاقة دون أن يسخن أو يتعطل.
ولعل أبرز ما شهدناه في هذه النسخة حتى لحظة كتابة هذا المقال هو أداء الموهبة الشابة ذات الثمانية عشر ربيعاً أيوب بوعدي مع المغرب أمام البرازيل — صاحبة أكثر ألقاب كأس العالم في التاريخ — إذ قدّم درسًا في التحمل والذكاء الحركي نادرًا ما نراه في لاعب في هذا العمر. وليس أدل على هذه الموهبة واللياقة البدنية العالية من تمكنه من إتمام 60 تمريرة ناجحة من أصل 66 بنسبة نجاح بلغت 91%.
ما الذي يميز اللياقة العربية؟ — جينات الشمس وثقافة المعاناة
قد نتساءل، كيف تمكن اللاعب العربي من سد هذه الفجوة البدنية الشاسعة مع الغرب؟ الإجابة لا تكمن فقط في تطور أكاديميات كرة القدم والاعتماد على مدربي أحمال أجانب، بل تكمن في الجذور، في المناخ، وفي طبيعة التنشئة الرياضية.
العداء في الدول الإسكندنافية أو وسط أوروبا يتدرب في مناخ بارد ولطيف يساعد الجسم على التخلص من الحرارة الناتجة عن المجهود العضلي بسهولة. أما الرياضي العربي، سواء كان طفلًا يركض وراء الكرة في حارات الدار البيضاء، أو في شوارع القاهرة المزدحمة، أو على ملاعب ترابية تحت شمس الرياض وبغداد الحارقة، فهو يبني قدرة استثنائية على “التأقلم الحراري” (Heat Acclimatization) منذ نعومة أظافره.
الركض وبذل المجهود في درجات حرارة تتجاوز 35 مئوية مع رطوبة خانقة يفرض على الجهاز القلبي الوعائي للرياضي العربي ضغطًا مضاعفًا. القلب يضطر لضخ كميات هائلة من الدم إلى سطح الجلد لتبريد الجسم عبر التعرق الغزير، وفي نفس الوقت يجب أن يوصل الأكسجين للعضلات العاملة. هذه “المعاناة المناخية” الفطرية تخلق رياضيين يمتلكون قلوبًا قوية وشبكات شعيرات دموية معقدة. عندما ينتقل هؤلاء اللاعبون للعب في مناخات معتدلة أو تحت رعاية طبية متطورة، تنفجر طاقاتهم البدنية بشكل مذهل.
مونديال 2026 في أمريكا الشمالية سيُقام في الصيف، وفي مدن ذات طقس خانق وحار جدًا. المنتخبات الأوروبية ستعاني بشدة للتأقلم، وستلجأ لغرف المحاكاة الحرارية. أما منتخباتنا العربية الثمانية، فهذا الطقس هو “ملعبهم الخلفي”. الحرارة التي ترهق الخصوم هي ذاتها البيئة التي تشكلت فيها أجساد ورئات اللاعبين العرب. هذه الميزة الفسيولوجية ستلعب دورًا حاسمًا في الدقائق الأخيرة من المباريات، عندما يذوب الآخرون تحت شمس الظهيرة.
بالإضافة إلى ذلك، هناك تطور مذهل في ثقافة الانضباط الرياضي. اللاعب العربي اليوم يدرك تمامًا قيمة التغذية السليمة، النوم العميق، وجلسات الاستشفاء في حمامات الثلج. ثقافة “الجرينتا” والروح القتالية لم تعد مجرد شعارات حماسية تُقال في غرف الملابس، بل أصبحت تُترجم إلى أرقام واضحة على شاشات أجهزة التتبع. نحن لا نلعب بالروح فقط، نحن نركض بالعلم، بالتحمل، وبانضباط تكتيكي صارم يفرض على المهاجم أن يركض عائدًا للخلف للدفاع كأنه جناح متأخر.
الخاتمة: الجري هو القاسم المشترك بين البطل والهاوي
عندما تشاهد مباريات كأس العالم هذا الصيف وتتابع قمصان منتخبات السعودية، المغرب، الأردن، ومصر وهي تركض بلا توقف على الشاشات الكبيرة، تذكر شيئًا واحدًا مهمًا: المعاناة التي يمر بها هؤلاء النجوم في الدقيقة 85 لا تختلف فسيولوجيًا عن المعاناة التي تمر بها أنت عندما تركض الكيلومتر الأخير في ماراثون محلي، أو عندما تقرر كسر رقمك الشخصي في سباق 5 كيلومترات صباحي في مدينتك.
الجري هو اللغة العالمية الوحيدة التي لا تعرف التزييف. النجم الذي يتقاضى الملايين، والعداء الهاوي الذي يركض في حذاء قديم، كلاهما يتشاركان نفس احتراق الرئتين، نفس تسارع ضربات القلب، ونفس الصراع النفسي الداخلي بين الرغبة في التوقف والشجاعة للاستمرار في وضع قدم أمام الأخرى.
كأس العالم ليس مجرد فرصة للجلوس على الأريكة وتشجيع أبناء جلدتك. اجعله مصدر إلهامك البدني هذا الصيف. عندما ترى لاعبًا عربيًا يقطع 12 كيلومترًا في مباراة واحدة، ليتولد لديك الحافز لتربط حذاءك الرياضي في اليوم التالي وتنزل للشارع.
الطريق مفتوح للجميع. إذا كنت مستعدًا لتحويل هذا الحماس لخطوات حقيقية على الأسفلت، فنحن بانتظارك لتركض معنا في نادي اركض الافتراضي على موقع سترافا.
اقرأ أيضاً:
كم يركض لاعب كرة القدم؟ – Urkod