|

‎5:30 Run — نادي الجري الذي لم يتوقف حتى في زمن الوباء

إنها الخامسة والنصف فجرًا من أحد أيام العام 2018 في إمارة دبي. الشوارع لا تزال غارقة في سباتها عميق، ولا صوت يكسر سكون الفجر المهيب سوى الإيقاع الهادئ لتكسر أمواج الخليج العربي على رمال “شاطئ كايت” (Kite Beach). أربعة أصدقاء يركضون على شاطئ البحر، يرون لبعضهم البعض كم كانت صعبةً لحظة مغادرة أسرتهم الوثيرة، وكيف انهم كادوا ان يطفئون صوت المنبه ويعودوا الى النوم لولا ذلك العهد الذي قطعوه فيما بينهم، لقد اتخذوا قرارهم بمحاربة الكسل الذي فرضه نمط الحياة العصرية، قراراً لا رجعة فيه، هكذا تعاهدوا فيما بينهم، وعقدوا عزمهم على الركض سويةً عدة مرات في الاسبوع قبل أن تشرق شمس صيف دبي الحارقة وقبل ان تستيقظ المدينة وتغرق في زحامها المعتاد. من هذا المكان الساكن تحديدًا، وهذا المشهد بالتحديد كُتب السطر الأول في هذه الحكاية.

من تلك الخطوات العفوية الأولى على شاطئ كايت، اشتعلت شرارة هذا المجتمع. اطلق على النادي في بداياته اسم “‎5:30 AM Run Club”؛ اسم يتحدث عن نفسه، إذ كانت جميع الركضات تنطلق بصرامة تامة في تمام الساعة الخامسة والنصف صباحاً، قبل أن يُختصر الاسم لاحقاً ليعرف باسمه الأيقوني الحالي (‎5:30 Run).

ما بدأ كمحاولة شخصية لخلق روتين يومي صحي، تحول ككرة ثلج لا تتوقف إلى واحدة من أقوى الحركات الرياضية والمجتمعية التي تعيد صياغة ثقافة الركض في دولة الإمارات العربية المتحدة. لقد أثبت نادي ‎5:30 Run أن الروح الحقيقية لأي مجتمع رياضي لا تُقاس بضجيج البدايات أو بعدد المتابعين، بل تُقاس بالقدرة على الاستمرار بتبدل الظروف.

فؤاد ناصر.. المدرب الذي بنى مجتمعًا حول عقرب الساعة

خلف كل حركة عظيمة قائد يمتلك رؤية واضحة، وهنا بالتحديد يقف فؤاد ناصر؛ مدرب الجري واللياقة البدنية المعتمد، سفير علامة (ASICS) العالمية وسفير تحدي دبي للياقة (Dubai Fitness Challenge). يحمل في قلبه وروحه جذورًا أردنية فلسطينية أصيلة. لم يكن فؤاد يومًا يبحث عن تأسيس فريق نخبوي يجمع المحترفين لحصد الميداليات الذهبية؛ بل كان مسكونًا بهدف أكبر وأعمق، كان يؤمن إيمانًا راسخًا بأن الرياضة يجب أن تكون لغة يومية يفهمها ويمارسها الجميع.

‎5:30 Run‎
فؤاد ناصر مؤسس نادي ‎5:30 Run‎

بدأت منصة ‎5:30 Run‎ كشغف خالص، لكن طموح فؤاد حولها إلى أسلوب حياة شامل. هو اليوم ليس مجرد مؤسس لنادي جري تقليدي، بل مهندس لمنظومة إنسانية ورياضية متكاملة؛ فقد اتسعت مظلة النادي لتشمل عشاق ركوب الدراجات الهوائية عبر (‎5:30 Cycle)، والباحثين عن المرونة والسلام الداخلي عبر (‎5:30 Yoga)، وصولًا إلى أبهى صور التكافل المتمثلة في مبادرات (‎5:30 Ihsan) الخيرية. لقد نجح فؤاد في بناء إمبراطورية مصغرة تدور بالكامل حول فكرة واحدة بسيطة وعبقرية: “الالتزام التام بالحركة في وقت محدد كل يوم، وتحويل المجهود الفردي الشاق إلى طاقة جماعية لا تنضب”.

لماذا ‎‎5:30 Run‎ ؟

الركض مع مجتمع ‎5:30 Run ليس مجرد ركضة عشوائية تُقررها في اللحظة الأخيرة، بل هو تجربة منظمة تحترم وقتك وتدفعك للالتزام. إليك تفاصيل ما يقدمه النادي:

  • أيام الركض: تتركز الطاقة الكبرى للنادي في عطلة نهاية الأسبوع من خلال الجلسات الصباحية يومي السبت والأحد، بالإضافة إلى جلسة ثالثة مساء يوم الخميس لتفريغ ضغوط أسبوع العمل الطويل.
  • المواعيد الدقيقة: لتنظيم الأعداد الكبيرة وتجنب أي فوضى، تُحدد ساعة التجمع والانطلاق بدقة، وتُرسل التفاصيل للمشاركين فور تسجيلهم عبر الرسائل المباشرة على الواتساب للأعضاء، وعلى منصة الإنستغرام للمشاركين الجدد.
  • مسافات تناسب الجميع: في جلسات المجتمع التفاعلية، يبلغ سقف المسافة القصوى 10 كيلومترات. والجميل هنا أن المسار يتسع للجميع بلا استثناء؛ ففي ذات الجلسة، ستجد العداء المتمرس الذي يطوي الأرض بإيقاع سريع، يركض جنبًا إلى جنب مع المبتدئ الذي يمزج الهرولة البطيئة بالمشي. لا أحد يُترك في الخلف، ولا أحد يشعر بأنه أقل لياقة.
  • مواقع لا تعرف الملل: يرفض النادي روتين الدوران في حلقة مفرغة، لذا تتنقل الجلسات أسبوعيًا بين أجمل معالم دبي الحضرية؛ فتارة تتنفس هواء البحر النقي على شاطئ كايت، وتارة تركض بمحاذاة المياه الزرقاء لقناة دبي المائية، أو تندمج مع نبض المدينة في مسارات “بزنس باي” (Business Bay) المحاذية لحديقة الصفا.
  • تكلفة الانضمام: كل هذا الشغف، والتنظيم، والطاقة الجماعية، متاح للجميع مجانًا بالكامل.

ما الذي يجعل ‎5:30 Run حالة استثنائية؟

في مدينة سريعة الإيقاع تزدحم بالأندية الرياضية والفعاليات اللانهائية، حفر هذا المجتمع بصمته الخاصة عميقًا في قلوب أعضائه عبر ثلاثة أعمدة لا تقبل المساومة:

1. الشمولية المطلقة: لا يهم من أي بقعة من العالم أتيت، أو ما هي لغتك الأم، أو شكل جسدك ومستوى لياقتك البدنية. النادي يضم عشرات الجنسيات المختلفة، يقفون على خط بداية واحد، ويركضون جنبًا إلى جنب دون أدنى تفرقة.
2. مجتمع يتجاوز حدود الرياضة: العلاقات التي تُبنى هنا لا تنتهي بمجرد التوقف عن الركض والتقاط الأنفاس. هذا النادي أصبح حاضنة دافئة لصداقات حقيقية تمتد خارج أوقات التدريب، بل وتحول إلى نقطة انطلاق موثوقة لشراكات مهنية وتجارية بين أعضائه. الجري هنا هو مجرد “وسيلة لكسر الجليد الإنساني”، والبداية الفعلية للتواصل.
3. بيئة محترمة وآمنة للمرأة: في البيئات الرياضية المختلطة والمفتوحة، قد تشعر بعض النساء، وخاصة في مجتمعاتنا العربية، بنوع من التردد أو عدم الارتياح. لكن ‎5:30 Run فرض ثقافة صارمة تقوم على الاحترام المتبادل، ليخلق مساحة آمنة ومرحبة للمرأة بشكل عام والمرأة العربية بشكل خاص، لتتدرب بثقة وراحة تامة، وهي قيمة تجعل من هذا النادي عائلة حقيقية يمكن الوثوق بها.

الماراثون الذي ركضناه في غرف الجلوس!

المعادن الحقيقية للمجتمعات لا تُختبر في الأيام المشمسة، بل في أوقات العواصف. وفي أبريل من عام 2020، توقفت أنفاس العالم؛ أُغلقت المدن، التزم الناس منازلهم، وأُلغيت كافة السباقات والماراثونات حول العالم بسبب جائحة كوفيد-19. في تلك اللحظات الكئيبة والمحبطة، فعل مجتمع ‎5:30 Run ما لم يجرؤ عليه أحد في المنطقة.

بدلًا من الاستسلام للعزلة والإحباط، أطلق النادي تحديًا مجنونًا وملهمًا في آن واحد: “ماراثون داخل المنازل”. تخيل المجهود الذهني والبدني لركض مسافة ماراثون كاملة (42.195 كيلومترًا) وأنت تدور مئات المرات في ممر شقتك الضيق، أو حول طاولة طعامك، أو ذهابًا وإيابًا في شرفة منزلك! مئات العدائين استجابوا للنداء. (كنت أنا كاتب هذه السطور واحدًا من هؤلاء العدائين الذين خاضوا هذا التحدي النفسي والجسدي الشاق وأنهوا مسافته بالكامل في المنزل).

ولم يكتفِ النادي بإطلاق الفكرة، بل قام بخطوة أدفأت قلوب الجميع؛ حين أرسل ميداليات الإنجاز عبر البريد لكل من أنهى السباق منزليًا. لقد أثبتوا في ذلك اليوم أن المستحيل ليس سوى فكرة إما أن تقبلها وتستسلم لها وإما أن ترفضها وتجد لها حلولاً مبتكرة، وأن الركض لا يحتاج إلى شوارع مفتوحة بقدر ما يحتاج إلى إرادة حقيقية صادقة.

ومن رحم تلك الأزمة وتحديداً بعد تحدي الماراثون المنزلي مباشرة، وُلد الشعار الأيقوني للنادي: “Keep The Runs On“. لم يكن هذا الشعار مجرد عبارة رنانة، بل كان صرخة وليدة التحدي لتعبر عن روح النادي وجوهره: أياً كان مكانك، وأياً كانت الظروف أو القيود التي تحيط بك، لا تتوقف، واستمر في الركض.

خطوات محلية بصدى عالمي

هذا الشغف الجارف لم يبقَ حبيس حدود دولة الإمارات. اليوم، باتت قمصان ‎5:30 Run مشهدًا مألوفًا في كبرى المحافل الرياضية حول العالم. لقد حزم أعضاء النادي حقائبهم، وسافروا كتفًا بكتف كعائلة واحدة ليطبعوا خطواتهم في ماراثونات لندن، نيويورك، إسطنبول، جورجيا، وحتى جنوب أفريقيا، محولين ناديهم المحلي إلى حضور دولي قوي يمثل الروح الرياضية المليئة بالطاقة للإمارات في كل قارة.

فريق ‎5:30 Run‎ خلال احدى رحلاته

هذا التوسع العالمي يعكسه النمو العضوي المذهل في لغة الأرقام؛ فتلك المجموعة الصغيرة التي بدأت بأربعة أصدقاء فقط، تنظم اليوم ركضات مجدولة تضم ما بين 45 إلى 50 عداءً في الركضة الواحدة. ولم يعد نشاطهم مقتصرًا على إمارة دبي فقط، بل امتد ليغطي ثلاث إمارات: دبي، أبوظبي، والشارقة. ومع مجتمع رقمي يضم أكثر من 19,000 متابع على إنستغرام، يحرص النادي على التواصل الشفهي باللغتين العربية والإنجليزية لدمج الجميع، بينما تُعتمد اللغة الإنجليزية في التواصل الكتابي لضمان وصول الرسالة بوضوح لكافة المشاركين.

كيف تحجز مكانك في الركضة القادمة؟

باب الانضمام لهذا المجتمع مفتوح دائمًا، والأمر بسيط ومجاني بالكامل. كل ما عليك فعله هو التوجه مباشرة إلى حسابهم الرسمي والنشط على منصة إنستغرام (@530_run). أرسل لهم رسالة مباشرة (DM) تخبرهم برغبتك في الحضور، وسيقوم الفريق بتزويدك بالتفاصيل الكاملة للركضة القادمة، بما في ذلك رابط الموقع الدقيق لنقطة التجمع والوقت المحدد للانطلاق. لا توجد أي تعقيدات، فقط أحضر حذاءك الرياضي وإرادتك الصادقة.

الخاتمة

نادي ‎5:30 Run هو أكثر بكثير من مجرد وجهة رياضية لأشخاص يمتلكون طاقة كافية لتحدي منبهاتهم في ساعات الفجر الأولى. إنه قصة حية وملهمة عن قوة الالتزام؛ مجتمع لم يوقفه صيف دبي الحارق، ولم تكسره عزلة الوباء الخانقة، ولم تشتته ضغوط الحياة السريعة. إنهم يجسدون رسالة واحدة واضحة، وشعارًا يتنفسونه على الدوام، حتى أصبح أسلوب حياة لكل من يقرر الانضمام إليهم:

Keep The Runs On

‎5:30 Run بانتظارك، والمجتمع مستعد للترحيب بك.


اركض…ابدأ حكايتك.

(ذات الشغف الصادق تقرأونه أيضاً في تغطيتنا لمجتمع [348 Run Club])

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *