سالم المطوع… العدّاء الكويتي الذي لا يركض دون علم فلسطين
على خط بداية ماراثون البتراء، بين الجبال الوردية وضجيج العدّائين المتأهبين للانطلاق، كان هناك علمٌ مطويّ بعناية فائقة في حقيبة رجل من دولة الكويت. لم يكن علماً عادياً، بل وثيقة سفر حقيقية؛ تملؤه عشرات التوقيعات بخطوط مختلفة، وأحبار تباينت ألوانها، خطّها عدّاؤون التقاهم حامل الراية في دروب شتى، من شوارع اليابان المزدحمة إلى جبال اليونان العتيقة.
حين سألناه عن السر، بدأ يتكلم، وسريعاً أدركنا أن الحديث لن يكون عن وتيرة الجري أو أرقام الساعات الذكية، بل عن رحلةٍ أطول بكثير من أي خط نهاية.
سالم المطوع. رياضي كويتي، عاشق للساعات اليدوية. والده كويتي، ووالدته ابنة غزة الأبية. وبين هذين الأصلين، تشكلت الملامح الأولى لحكاية لا تشبه حكايات العدّائين المعتادة.
من الجرح النفسي إلى خط الانطلاق
بدأت علاقة سالم بالجري في عام 2019، في فترة يصفها بصراحة نادرة وبلا مواربة: «كنت أمرّ بوضع نفسي صعب». ضغوط عمل متراكمة، وتحديات عائلية، وحياة بدت وكأنها تضيق من كل جهة، قبل أن تأتي جائحة كورونا لتغلق حتى الأبواب المواربة.
كان أول سباق رسمي يخوضه سالم هو سباق حواجز قاسي يُدعى «هانيبل». لم يكن يبحث هناك عن منصة تتويج، بل عن مخرج نجاة. يروي تلك اللحظات بكلمات تلخص فلسفته: “الركض كان يترك فيك جرحاً فيزيائياً، يغطي على الجرح النفسي”.
صار الألم الجسدي وسيلته الوحيدة ليهرب من ألم روحي أعمق. ومع الوقت، تحول الجري إلى إدمان حميد أنقذه من حافة الهاوية: “كنت أدوس على حالي، بس هالإدمان كان اللي وخّر (أبعد) عني الوجع النفسي”.
علمٌ وُلد من سؤال
في غمرة تلك السباقات، لاحظ سالم تفصيلاً صغيراً استقر في عقله؛ فكل عدّاء عربي يعبر خط النهاية يرفع علم بلده بفخر، الكويت، لبنان، الأردن، البحرين. أما علم فلسطين، فكان غائباً عن المشهد.

حين نقل هذا الهاجس لوالدته، بادرته عام 2022 بهدية غيّرت مسار أيامه: أهدته علماً فلسطينياً وقالت له جملة واحدة: «خده معاك».
منذ تلك اللحظة، أصبح هذا العلم رفيق حقيبته الدائم. أول من خطّ توقيعه عليه لم تكن شخصية رياضية بارزة، بل شخص عزيز جداً عليه، «خولة عطياني»، التي منحته الشعلة الأولى لتحويل الفكرة إلى مشروع حياة. تلتها توقيعات العائلة، ثم زملاء العمل، ثم – تدريجياً – غرباء التقى بهم صدفة على خطوط بدايات السباقات في مختلف أصقاع الأرض.
عندما يتحول الشغف إلى توقيت دائم: ساعات «توكي ووريور»
ما لا يعرفه الكثيرون أن شغف سالم الحقيقي، الذي يسبق حتى دخوله عالم الجري، كان متعلقاً بتصميم الساعات. من هنا ولد مشروعه الخاص «توكي ووريور» (Tokei Warrior) — حيث تعود كلمة «توكي» (Tokei) في اللغة اليابانية لتشير إلى ساعة اليد.
ولأن روحه معلقة في قضيته، قرر أن يطبع رموز فلسطين في صميم الآلة الزمنية نفسها؛ فابتكر إصدارات فريدة تحمل كل منها حكاية وهُوية بصرية خاصة:
- إصدار “حنظلة” الذي يخلد رمز الصمود والنضال.
- إصدار “الزعتر” المستوحى من تراب الأرض ورائحتها.
- إصدار “بلستونة” وهو الابتكار الأول من نوعه الذي يرسم علم فلسطين بوضوح وتفصيل على ميناء الساعة.
- إصدار “زيتون” المستوحى من عراقة زيتون فلسطين وجذوره الضاربة في التاريخ.
- ويستعد سالم حالياً لإطلاق إصدار جديد كلياً تحت عنوان “فلسطين حرة” والمقرر صدوره رسمياً في 17 أكتوبر 2026.
لهذا السبب تحديداً، تجد الساعات دائماً مرافقة لسالم في صوره على خطوط البداية والنهاية؛ فهي ليست مجرد أدوات لقياس الوقت، بل قطع فنية تنطق بالانتماء وترافق معصمه وعلمه.
سبارتن.. اللحظة التي تكسرت فيها الحواجز
في البداية، شعر سالم بأن الناس متحفظون. لم يكن هناك تدافع للتوقيع، بل شعور بالتردد. لكن كل شيء تغير بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023.
بعد نحو أحد عشر يوماً فقط من تلك الأحداث، وجد سالم نفسه واقفاً على منصة سباق سبارتن (Spartan) الشهير في اليونان. وقتها، طالبه فريقه الكويتي بنبرة ملؤها الخوف والحرص عليه: «لا ترفع العلم يا سالم». كانوا يخشون ردود الفعل. لكن سالم «العنيد» كما يصف نفسه، والذي صاغ هويته مع هذا العلم منذ أن أهدته إياه والدته، رفض التراجع وقال: «لو ما رفعت العلم هلأ، كنت بس شكل».
صعد على المنصة رافعاً علم فلسطين عالياً. وما حدث كان عكس مخاوف الجميع؛ فالناس الذين كان يعتقد ان يتردّدوا، بدأوا يتجمعون حوله باحترام. ومن كان يخيل لهم انه سيهرب من التوقيع، صار يقترب طالباً أن يترك أثره على قطعة القماش تلك.
تلك المرحلة شهدت أيضاً قراراً قاسيًا؛ فقد أعلن سالم انسحابه النهائي من تلك الأجواء والسباقات التي تراجعت عن مواقفها، ليوثق أن الثبات على المبدأ يكلّف المرء أكثر بكثير من التخلي عن أي ميدالية.
بين المنع والترحيب.. خريطة العلم
على مدار نحو أربع سنوات وفي ما يقارب 100 سباق، حمل سالم العلم في كل قارة تقريباً. في شوارع اليابان، أوقفه غرباء ليقفوا بجانبه عند محطة قطار، حاملين العلم معه دعماً للقضية. وفي اليونان، حرص أبطال العالم على التوقيع عليه.
في المقابل، واجه محاولات للمنع؛ ففي بعض الدول، طُلب منه ألا يرفع العلم، فكان رده هو الإصرار: «لما حدا يقول لي لا تشيله، طبيعتي تتوقع مني إني أشيله بقوة أكثر».
لكن الأردن، كما يصفه بامتنان، كان استثناءً؛ فقد لقي دعماً مستمراً وثابتاً منذ أول سباق له هناك. “انصدمت كيف الناس لسه متجمعين، لسه هيك، بعد كل هالسنين”. وفي زحمة التوقيعات، يوقن سالم أن هذا العلم يذيب الفوارق ويساوي بين الجميع: “كلنا نفس الطينة.. وصوتنا واحد”.
ماراثون كامل.. وتحدي الرمضانيات القاسي
أطول مسافة ركضها سالم في سباق رسمي واحد كانت ماراثوناً كاملاً (42 كيلومتراً) في ماراثون بنك الخليج بالكويت. خاضها في الخامسة والثلاثين من عمره، وحين عبر خط النهاية حاملاً ميداليته وعلمه معاً، اختصر المشهد قائلاً: “حسيت إنه الإنسان بيحب ينجز فيصير إدمان… وأنا شايف علم فلسطين، هذا كان إحساس عجيب”.

لكن التحدي الأقسى لا يقع في السباقات الرسمية، بل في شهر رمضان. كل عام، يخوض سالم تحدياً محلياً يقيس أطول مسافة يمكن قطعها مشياً أو جرياً خلال 10 أيام متتالية. لا مضمار، لا هتافات، فقط الساقان المنهكتان من أثر الصيام وهو يدور في حلقات مفرغة. يصفه بلا تردد بأنه التحدي الأصعب: “تخلّص أربعمائة كيلومتر برمضان، بعشرة أيام. ريلك (قدماك) كل إشي بينهري معاك، كأنك فار يدور في الحلبة، بس هو مو ركض، هو تحدي إرادة».
الحلم الذي لا يتبدل
سالم لا يخفي أن الحلم الذي يحمله أكبر من إمكانيات فرد. يرفض أن يؤطر القضية في خانة جنسية ضيقة: «هاي الأرض مش لفلسطيني ولا لأردني ولا لكويتي، لكل عربي ولكل مسلم». يحلم يوماً بأن يرفع العلم على أرض فلسطين الحرة، لا نيابة عنها من خلف الحدود.
أكثر ما يزعجه هو الدعم الهش الذي يظهر حين تصبح القضية «ترند» ثم يختفي. أما هو، فيرى في علمه أمانة لا تسقط بالتقادم: “هذي مو علمي، هذا علمنا كلنا. وكل واحد وقّع عليه قالي: يا سالم، هاي أمانتنا معاك، احملها لكل مكان، ووصّلها لفلسطين”.
حين تودع سالم، تدرك أنك أمام رجل صاغته التجربة؛ يتبع صوت قلبه أينما قاده، معتمداً على صفاء نيته. ولمن يتردد في اتخاذ خطوته الأولى في رياضة الجري، يترك رسالة بسيطة: “ابدأ، ولا تخاف، لأن مجرد ما تبدأ ستصل”.
أما رسالته للحياة، والتي تلخص كل ما أودعه في حقيبته وساعاته طوال أربع سنوات: “كن طيباً ومتعاوناً واعملها لله، وستكون راضياً عن نفسك”.
هذه حسابات سالم المطوع وعلامته التجارية على موقع الانستاغرام
اركض…حكايتك 🏃
هل تريد الاطلاع على كل مقال جديد فور نشره؟
انضم إلى قناتنا على واتساب، حيث يتم نشر كل مقال جديد فورًا، بمجرد نشره.
تفضل ملخصًا شهريًّا بدلاً من ذلك؟
اشترك في نشرة أركض الشهرية للحصول على نظرة شاملة ومختارة بعناية بأهم ما تم نشره، وكل ما يهم العدائين العرب.
📱 رابط قناة واتساب
📩 رابط النشرة الإخبارية
اقرأ ايضاً
فهد العَبري.. العدّاء العازف – Urkod
