أساطير الجري العرب، نوال المتوكل تُتوّج حبيبة الغريبي بذهبيتها الأولمبية.

من هشام الكروج إلى نوال المتوكل.. أساطير الجري العرب

قبل أن تمتلئ شوارع مدننا العربية كل فجر بآلاف الهواة الذين يطاردون أرقامهم الشخصية، كان هناك جيل ركض على مضامير العالم ليصنع تاريخاً لا يزال عصياً على النسيان. في زمن لم تتواجد فيه الساعات الذكية ولا تطبيقات التتبع الرياضي، كان العرق والمضمار هما لغة الحوار الوحيدة، وكانت ساعات التوقيت العالمية تنحني أمام أسماء أساطير الجري العرب.

هذه ليست مجرد قائمة بأبطال الماضي؛ إنها حكاية الإرث الذي نركض عليه اليوم. فلكل من يعتقد ان العداء العربي ليس بقادر على مقارعة الكبار، هذه نبذة عن عدائينا العرب، انجازاتهم، وارقامهم العالمية التي لا يزال بعضها قائماً حتى بومنا هذا.

البداية.. محمد غمودي

قبل أن يسطع نجم سعيد عويطة، كان هناك التونسي محمد غمودي. العداء الذي حصد ميدالياته الأولمبية على مدى ثلاث دورات متتالية (1964 – 1972)، وتُوّج بذهبية سباق 5,000 متر في مكسيكو سيتي 1968. لم يكتفِ غمودي بالذهب، بل كان أول عداء عربي وأفريقي يكسر الاحتكار الغربي للمسافات الطويلة، ليمهد طريقاً كاملاً لمن جاء بعده.

سعيد عويطة.. الرجل الذي أرهق ساعة التوقيت

في أولمبياد لوس أنجلوس 1984، اعتلى المغربي سعيد عويطة منصة التتويج بذهبية 5,000 متر. لكن هذا الذهب لم يكن سوى البداية. على مدار مسيرته، جعل عويطة من كسر الأرقام القياسية عادة يومية؛ فحطم خمسة أرقام عالمية في الهواء الطلق (1,500 متر، 2,000 متر، 3,000 متر، 5,000 متر، وميلين)، إضافة إلى رقم 3,000 متر داخل القاعات. كان العداء الشامل الذي دفع المملكة المغربية لتتويجه لاحقاً بلقب “رياضي القرن العشرين”.

نور الدين مرسلي.. التلميذ الذي استلم الراية

في ثمانينيات القرن الماضي، كان هناك طفل جزائري يراقب خطوات عويطة ويحلم بمجاراتها. في التسعينيات، تحول حلم نور الدين مرسلي إلى حقيقة قاسية على منافسيه. حطم الرقم العالمي في 1,500 متر عام 1992، ثم سباق الميل في 1993، و3,000 متر في 1994.

وفي أولمبياد أتلانتا 1996، شهد العالم أحد أكثر سباقات 1,500 متر دراماتيكية؛ حيث تعثر منافسه الشاب هشام الكروج بكعب مرسلي قبل 400 متر من خط النهاية. سقط الكروج، وواصل مرسلي طريقه نحو ذهبيته الأولمبية، غير مدرك أن هذا الشاب الساقط على المضمار سيكتب الفصل الأعظم في هذه القصة.

هشام الكروج.. الرقم العصي على الزمن

بعد سقوطه المرير في أتلانتا، عاد الكروج ليثأر لنفسه من التاريخ. في يوليو 1998، وعلى مضمار روما، حطم الكروج الرقم القياسي العالمي لمرسلي في 1,500 متر. حين عبر خط النهاية، أطلق تصريحه الذي أصبح أيقونة في الرياضة العربية: “كان الوقت وقت عويطة، ثم أصبح وقت مرسلي، والآن هو وقت هشام”.

أساطير الجري العرب، هشام الكروج
هشام الكروج — الصورة:
Sebastien from Montreal, Canada،
عبر ويكيميديا كومنز (CC BY‑SA 2.0)

هذا الرقم القياسي (3:26.00) لا يزال صامداً كجدار خرساني حتى اليوم، كأطول رقم قياسي عالمي في تاريخ سباقات المسافات المتوسطة. وفي أثينا 2004، أنهى الكروج مسيرته كأول عداء منذ الفنلندي باڤو نورمي (1924) يجمع بين ذهبيتي 1,500 و5,000 متر في دورة أولمبية واحدة.

نوال المتوكل.. 54 ثانية غيرت كل شيء

في ذات الأولمبياد الذي تُوج فيه عويطة (لوس أنجلوس 1984)، كانت هناك بطلة مغربية اخرى سطرت التاريخ. العداءة المغربية نوال المتوكل عبرت خط نهاية سباق 400 متر حواجز في 54 ثانية فقط. لم تكن مجرد ميدالية؛ كانت أول امرأة عربية وأفريقية ومسلمة تفوز بذهبية أولمبية. تلك الثواني الـ 54 فتحت باباً فولاذياً كان مغلقاً أمام أجيال من العداءات العربيات.

حسيبة بولمرقة.. الذهب في وجه الخوف

حكاية الجزائرية حسيبة بولمرقة لم تكن مع منافساتها على المضمار فحسب، بل كانت مع البقاء. في مطلع التسعينيات، واجهت بولمرقة تهديدات صريحة بالقتل في الجزائر بسبب ملابس الركض القصيرة، مما أجبرها على مغادرة وطنها والتدرب في أوروبا. وفي أولمبياد برشلونة 1992، ركضت بولمرقة لتنتزع ذهبية 1,500 متر، وتصبح أول جزائرية وعربية تحقق ذهبية أولمبية.

غادة شعاع.. ذهبية سوريا التاريخية

قد يبدو اسم السورية غادة شعاع بعيداً عن تخصص الجري الصرف، فهي بطلة السباعي (Heptathlon) الذي يضم سبعة أحداث رياضية. لكن الجري والسرعة كانا العصب الأساسي في تفوقها. في أتلانتا 1996، طوقت شعاع عنقها بذهبية السباعي، لتمنح سوريا أول ميدالية ذهبية في تاريخ مشاركاتها الأولمبية (بعد فضية المصارعة عام 1984)، وتسطر اسمها كواحدة من أقوى الرياضيات العربيات على الإطلاق.

إرث أساطير الجري العرب لا يتوقف

بعد هذا الجيل المؤسس، لم تتوقف الخطوات. واصلت العداءات العربيات شق الطريق؛ فبرزت المغربية نزهة بيضون كبطلة للعالم في 400 متر حواجز، والتونسية حبيبة الغريبي التي توجت بذهبية سباق الموانع في لندن 2012 (بعد إثبات تعاطي منافستها الروسية للمنشطات).

هؤلاء الأساطير لم يركضوا من أجل جمهور عربي يمارس الجري كنمط حياة؛ بل ركضوا في زمن كان فيه الجري ترفاً أو ضرباً من الجنون. لقد ركضوا ليثبتوا للعالم أننا قادرون على اعتلاء القمة. واليوم، حين يربط أي عداء عربي هاوٍ حذاءه، ويخرج للركض في شوارع عمّان أو القاهرة أو الرياض، فهو يضع قدميه على طريق عُبّد بعرق هؤلاء الأساطير قبل عقود.

اركض… ابدأ حكايتك 🏃

المصادر:
الاتحاد الدولي لألعاب القوى (World Athletics)
الموقع الرسمي للألعاب الأولمبية (Olympics.com)
موسوعة بريتانيكا (Britannica)

صورة الغلاف: نوال المتوكل تُتوّج حبيبة الغريبي بميداليتها الذهبية الأولمبية المؤجلة، يونيو 2016 — الصورة بعدسة Citizen59، عبر ويكيميديا كومنز، مرخّصة بموجب CC BY 3.0 (commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=50017417)

اقرأ أيضاً:
ما هي ماراثونات العالم الكبرى؟ دليلك الشامل إلى World Marathon Majors – Urkod

قصة الماراثون.. من أسطورة فيديبيدس إلى 42.195 كيلومتراً – Urkod

رزنامة أُركض

هل تريد الاطلاع على كل مقال جديد فور نشره؟
انضم إلى قناتنا على واتساب، حيث يتم نشر كل مقال جديد فورًا، بمجرد نشره.

تفضل ملخصًا شهريًّا بدلاً من ذلك؟
اشترك في نشرة أركض الشهرية للحصول على نظرة شاملة ومختارة بعناية بأهم ما تم نشره، وكل ما يهم العدائين العرب.

📱  رابط قناة واتساب
📩  رابط النشرة الإخبارية

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *