مجموعة من أعضاء Running Amman يركضون معاً في شوارع عمّان
|

Running Amman, قصة بدأت بين صديقين وما زالت تركض في شوارع عمّان

كيف بدأت Running Amman.

في صباح يوم ربيعي بارد من شهر أبريل في عام 2010، كان محمد رازم يقف وحيداً خارج مبنى عمله يدخن سيجارته الصباحية المعتادة، يخوض في ذهنه معركة صامتة وطاحنة يعرفها جيداً كل مدخن سابق. كان يحاول أن يفعل شيئاً يتطلب إرادة فولاذية: الإقلاع عن السجائر بلا عودة. يرتجف برداً ويسأل نفسه سؤالاً تكرر كثيراً في الاونة الاخيرة (شو جابرك؟!)، إلا ان عقله كان يعمل تماماً كشيطان محترف، يوسوس له بدهاء، يحاول إقناعه بأن سيجارة واحدة لن تضر، وبأن الاستمرار في هذا الحرمان لا طائل منه.

أطفأ رازم سيجارته الأخيرة وعاد الى مكتبه، عاقداً العزم على ان لا يعود له مرة اخرى، لكنه اصطدم فوراً بذلك الفراغ الثقيل. الوقت الذي كانت تشغله السيجارة أصبح يمر بطيئاً، وحاجة اليدين إلى شيء تمسكان به أصبحت ملحة، وحاجة العقل لعادة يومية يلتصق بها باتت تنهش تفكيره. يصف رازم نفسه بأنه صاحب «شخصية إدمانية»؛ إذا دخل في شيء، دخل فيه بكليته، فهو لا يعرف أنصاف الحلول.

في البداية، قادته بوصلة البدائل إلى القهوة. رائحتها زكية، طعمها لذيذ، وتمنح العقل ذلك الإحساس المؤقت بالامتلاء. أصبح فنجان القهوة هو الرفيق الجديد، لكنه أدرك سريعاً أن الكافيين وحده لا يكفي لترويض تلك الطاقة المكبوتة في جسده. كان يحتاج إلى بديل أفضل، بديل يفرغ فيه هذا القلق الإيجابي ويستنزف طاقته بشكل صحي. وهنا، وعلى شوارع مدينة عمّان الباردة، دخل الجري إلى حياته كطوق نجاة. بدأ يخرج بمفرده في الشوارع الخالية، يسجل خطواته وتدريباته على تطبيق Runkeeper، يراقب الأرقام كمن يراقب نبض قلبه: كم كيلومتراً ركضت اليوم؟ بأي سرعة؟ هل رئتاي أفضل اليوم من الأمس؟

اللقاء الرقمي في شوارع عمّان الصامتة

في مكان آخر من المدينة المكتظة، كان يزن ملاخة يفعل الشيء نفسه تقريبًا، والذي كان قد اقلع عن عادة التدخين لتوه وبدأ بممارسة رياضة الجري ايضاً .

كان محمد ويزن يعرفان بعضهما منذ عام 2007، لكنهما لم يركضا معاً قط. دخل كل واحد منهما هذا العالم بطريقته الخاصة، وبدوافعه الشخصية المنفصلة. كانا يعيشان عزلة العداء الذي يستيقظ قبل أن تصحو المدينة، يصارعان الطرقات وحدهما، إلى أن تقاطعت طرقهما رقمياً عبر تطبيق الجري نفسه.

بدأت القصة بسيطة وعفوية جداً؛ إعجابات متبادلة، وتعليقات صغيرة، وتشجيع صامت يكسر وحشة الركض المنفرد. ينهي أحدهما ركضته المرهقة في جبال عمّان، يسجلها على التطبيق وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة، ليجد الآخر قد شاهدها وترك له كلمة تشجيع. لم تكن هناك أي خطة مرسومة لتأسيس نادٍ رياضي، ولا رؤية مستقبلية لبناء مجتمع للعدائين، ولا حتى فكرة بأن شيئاً أكبر سيخرج من هذه الشاشة الصغيرة. كان هناك فقط شخصان يحاول كل منهما أن يسند الآخر ليستمر في مواجهة نفسه.

الصورة التي أطلقت الشرارة

بعد فترة من هذا الدعم الرقمي المتبادل، قررا أن الوقت قد حان لكسر العزلة. لماذا يركض كل منا وحيداً في شارع مختلف؟ قررا أن يركضا معاً بدلاً من الاكتفاء بمراقبة شاشات الهواتف.

شيئاً فشيئاً، أصبحت اللقاءات أكثر انتظاماً. وفي يوم عادي من أيام عام 2014، التقطا صورة عفوية بعد إحدى الركضات المنهكة ونشراها على موقع فيسبوك. لم يكن المنشور إعلاناً رسمياً عن ولادة فريق، ولم يكتبا خطة لاستقبال أعضاء جدد. كان مجرد توثيق لتعب جميل وصباح نقي.

لكن الأصدقاء رأوا تلك الصورة. ثم توالت الرسائل، وجاء السؤال الذي غيّر كل شيء: «هل يمكن أن نركض معكم في المرة القادمة؟»

بدأ العدد يزداد ببطء ولكن بثبات. شخص ينضم، ثم يجلب معه صديقاً، وبعد فترة قصيرة أصبح هناك موعد أسبوعي ينتظره أكثر من شخص. هكذا، وبدون شريط افتتاح أو مؤتمر صحفي أو رسوم اشتراك، وُلدت Running Amman. لم تكن هناك لحظة رسمية قال فيها الجميع: «الآن أصبحنا فريقاً». الاسم، والمجموعة، والنظام، كل ذلك تبلور ونضج مع الوقت، بينما استمرت الركضات نفسها كعنصر ثابت لا يتغير. هذه البداية العفوية تفسر الروح الحقيقية التي تحكم المجموعة اليوم؛ لم تُبنَ أساساً حول اشتراك مدفوع أو خطة تجارية، بل نشأت من فكرة أنقى وأبسط بكثير: أن تجد دائمًا من يشاركك الطريق.

عمّان.. المدينة التي لا ترحم

من جرب الركض في عمّان يدرك يقيناً أن هذه المدينة لا تقدم لك طرقاً مسطحة على طبق من ذهب. عمّان مدينة الجبال السبعة التي تمددت؛ مدينة الطلوع القاسي والنزول الحاد، شوارعها مزدحمة، وأرصفتها قد تختفي فجأة تحت قدميك، وحجارتها البيضاء تعكس شمس الصباح بقوة.

بسبب هذه الجغرافيا العنيدة، لا يملك Running Amman مساراً واحداً يكرره بملل طوال العام. قبل كل ركضة، تُدرس الخطة بعناية؛ يُحدد المكان وفق طبيعة المنطقة، ويُفضل الفريق الشوارع الأكثر هدوءاً لتجنب التقاطعات التي قد تسبب خطراً لمجموعة تتحرك ككتلة واحدة. ثم تُنشر التفاصيل عبر إنستغرام: نقطة التجمع، الموعد الدقيق، وأي تفاصيل تقنية يحتاجها المشاركون.

بالنسبة لعداء وحيد، قد يكون التفكير في زحام السيارات واختيار الطريق وتجنب الكلاب الضالة عبئاً ثقيلاً يسرق متعة الرياضة. لكن مع المجموعة، كل ما عليك فعله هو تتبع الخطوات التي أمامك، وإرخاء عقلك. وهناك سر يعرفه كل من ركض في جبال عمّان: «الطلعة» القاسية التي تحرق عضلات الساقين، تصبح أخف وطأة حين تسمع أنفاس شخص بجانبك يعاني منها ويجاهد مثلك تماماً. فالثقل يخف وطأة عندما يوزع على الأكتاف.

Running Amman

من شخصين إلى عائلة عملاقة

اليوم، يقف النادي كأيقونة رياضية في الأردن؛ يتجاوز عدد مسجليه 1,400 عضو على حسابهم في Strava، ويتابعهم أكثر من 8,200 شخص على إنستغرام. وفي صباحات الجمعة، قد يقترب عدد الحاضرين في نقطة التجمع من 50 عداءً وعداءة.

لكن الأرقام لا تروي القصة كاملة. الأهم من العدد هو ذلك الاختلاف المدهش بين هؤلاء الأشخاص. تجد في المجموعة الشاب العشريني المفعم بالطاقة، والرجل الستيني الذي يبحث عن صحته، والمبتدئ الذي يلهث محاولاً النجاة في أول خمسة كيلومترات، جنباً إلى جنب مع وحوش المسافات الطويلة الذين يستعدون لسباقات الألترا Marathon. أردنيون، وعرب، وأجانب مقيمون.. تجمعهم نقطة بداية واحدة وخط نهاية واحد.

لا يهم أن تكون سريعاً لتنتمي إلى هنا. غالباً ما تبدأ المعرفة بين عضوين بسؤال خجول عن نوع الحذاء الرياضي المفضل أو كيفية تجنب إصابة الركبة، لتنتهي بعد أسابيع قليلة بنقاشات عميقة حول العائلة، وضغوط العمل، وتحديات الحياة. هذا طبيعي جداً في مجتمع يلتقي أفراده في ساعات الفجر الأولى أكثر مما يلتقون بزملائهم في العمل.

القيادة بصمت: «ما ألغينا ركضة أبدًا»

كثيراً ما تتلاشى المبادرات التطوعية باختفاء مؤسسيها. ومع تغير ظروف يزن ملاخة وابتعاده عن الإدارة اليومية، وانتقال محمد رازم للعمل خارج الأردن، كان من الممكن أن تنتهي قصة النادي بهدوء، كما تنتهي الكثير من المجموعات.

لكن الروح كانت قد تجذرت عميقاً. اليوم، يحمل الشعلة ويتولى الإدارة اليومية أشخاص أمثال عبدالرحمن أبو جبارة (عبود)، مراد أبو نبعة، ومأمون عثمان. دورهم لا يقتصر على نشر موعد الركضة خلف شاشات الهواتف؛ بل تجدهم متواجدين دائماً في نقطة التجمع، في البرد القارس والحر الشديد. يعرفون المسار، يوجهون الوجوه الجديدة، ويذيبون جليد التوتر لأي شخص يحضر للمرة الأولى ويخشى ألا يجاري المجموعة.

هذا الالتزام الصارم يلخصه عبود بجملة واحدة حاسمة وواثقة: «ما ألغينا ركضة أبدًا».

المطر الشديد، البرد القارس، أو غياب بعض الأعضاء للمشاركة في Race او ماراثون لا يعني إلغاء الموعد. الاستثناء الوحيد الذي تذكره المجموعة كان يوماً تجمدت فيه شوارع عمّان بالصقيع الأبيض، وأصبح الركض عليها انتحاراً وخطراً محققاً. هذا الثبات هو ما يبني العادات في النفوس؛ ففي الأيام التي يتغلب عليك فيها الكسل ولا تجد الحافز لترتدي حذاءك، يكفي أن تتذكر أن هناك من يقف الآن في الشارع ينتظرك، لتجد نفسك تركض نحوهم.

طقوس الجمعة: الأمان، الفلافل، والملاذ المجاني

الركضات الأساسية محددة أيام الاثنين والأربعاء والجمعة. ويوم الجمعة تحديداً يحمل طابعاً مقدساً. بعض عداءي المسافات الطويلة يصلون قبل الموعد الرسمي بساعة أو ساعتين، يجمعون الكيلومترات المطلوبة في برامجهم القاسية، ثم يعودون إلى نقطة التجمع لينطلقوا مرة أخرى من الصفر مع المجموعة. قد تبدو فكرة أن تستيقظ فجراً لتركض قبل أن تبدأ الركضة الرسمية ضرباً من الجنون لمن هم خارج هذا العالم، لكنها هنا المنطق بذاته لتعد مزيداً من الكيلومترات وتخزنها في ساقيك استعداداً لماراثونك القادم.

ما يميز هذا المجتمع المفتوح حقاً هو مفهوم الأمان بمعناه الأصيل. فهي بيئة تحمي كل من يضع قدمه فيها؛ حيث الاحترام المتبادل ليس مجرد نصيحة، بل هو القاعدة الأساسية التي تُبنى عليها كل خطوة. هذا الوضوح في حماية راحة الجميع وسلامتهم هو ما يمنح فتاة تأتي بمفردها، أو وافداً جديداً لا يعرف أحداً، الطمأنينة الكاملة للركض بحرية وسلام، واثقاً بأنه جزء من عائلة تصونه.

هذا الأمان والدفء يمتد لما بعد خط النهاية. ففي كثير من أيام الجمعة، تلتئم المجموعة حول مائدة إفطار عمّانية أصيلة؛ حمص، فلافل، وكاسات الشاي بالنعناع. أحياناً تحضر عائلات الأعضاء رغم أنهم لم يشاركوا في الركض. هذا الإفطار ليس نشاطاً رسمياً مفروضاً، لكنه يعكس بصدق شكل العلاقات الإنسانية المتينة التي نُسجت خيوطها حول الجري.

وفوق كل هذا، أصر محمد رازم ويزن ملاخة منذ اليوم الأول على أن يبقى النادي مجانياً تماماً. لا توجد رسوم عضوية، لا بطاقات اشتراك، ولا رعاية تجارية تحول مساحتهم إلى لوحة إعلانات. شاهد الموعد، احضر، واركض.

خط النهاية في مالطا: الجانب الشخصي من الحكاية

لم تكن Running Amman بالنسبة لي كأحد عدائيها مجرد مجموعة أسبوعية لملء وقت الفراغ؛ بل كانت الجسر الذي عبرت عليه نحو تحديات لم أتخيل يوماً أنني سأملك الشجاعة لخوضها.

بعد سنوات من الركض معهم في عمّان، صعوداً وهبوطاً في تلالها، تحولت التدريبات إلى شغف، والسباقات المحلية إلى طموحات دولية عابرة للحدود. بدأت المجموعة بحزم حقائبها والمشاركة في سباقات خارج الأردن، لتترك بصماتها في وجهات مختلفة مثل كابادوكيا وإسطنبول. لم تكن تلك مجرد رحلات سياحية، بل كانت معسكرات تدريبية متنقلة، تبدأ بالاستعداد قبل السفر بأشهر، وتنتهي بالبحث عن الوجوه المألوفة بعد خط النهاية في مدن غريبة.

لكن الرحلة التي حفرت في ذاكرتي للأبد كانت في مارس 2020، حين وجدت نفسي أقف برفقة نحو 15 شخصاً من عائلة Running Amman في قارة أخرى. هناك في مالطا، قطعت مسافة 42.195 كيلومتراً بالتمام والكمال.

في تلك اللحظة المجنونة، ذلك الأربعيني الذي اعتقد يوماً أن لياقته تقارب الصفر، تحول رسمياً إلى ماراثوني. لقد وثقت تلك التجربة العميقة في مقال حكايتي مع الركض – يوم تاريخي، لكن ما لا تستطيع أي حروف أو كلمات وصفه بالكامل، هو ذلك الشعور بأن تنهار تعباً عند خط النهاية، ورئتاك تحترقان، لتجد حولك عائلة تركض إليك، تحتضنك، وتفرح لانتصارك أكثر من فرحها لنفسها. ربما يطوي النسيان زمن ركضتك بعد سنوات، لكني لم ولن أنسى أبداً، ما حييت، وجوه الأشخاص الذين رافقوني في أمتارها الأخيرة القاتلة.

الخطوة التالية لك

القصة التي بدأت بصورة عفوية لصديقين يحاولان الهروب من دخان السجائر عام 2014، لا تزال تُكتب وتنبض بالحياة في شوارع عمّان حتى اليوم.

إذا أردت أن تكون جزءاً منها، فالأمر في غاية البساطة. لا تبحث عن اشتراكات، ولا تفكر في وزنك، ولا تقلق إن كنت تظن أنك بطيء جداً. لست بحاجة لإثبات أنك عداء «حقيقي» قبل أن تحضر. تابع حساب Running Amman على الإنستغرام، اعرف نقطة التجمع القادم.. واحضر فقط.

من يدري؟ فربما تكون ركضتك القادمة في جبال عمّان الباردة، هي خطوتك الحقيقية الأولى نحو اكتشاف ماراثونك الخاص.

للتعرف على مجتمعات جري أخرى في الوطن العربي، يمكنك تصفح دليل مجموعات الجري الخاص بنا.

هل تريد الاطلاع على كل مقال جديد فور نشره؟
انضم إلى قناتنا على واتساب، حيث يتم نشر كل مقال جديد فورًا، بمجرد نشره.

تفضل ملخصًا شهريًّا بدلاً من ذلك؟
اشترك في نشرة Urkod الشهرية للحصول على نظرة شاملة ومختارة بعناية بأهم ما نشره، وكل ما يهم العدائين العرب.

📱 رابط قناة واتساب
📩 رابط النشرة الإخبارية

المزيد من قصص الأندية التي يمكنك استكشافها:

عدائين الإمارات: من أربعة أصدقاء إلى ماراثونات العالم – Urkod

نادي مسافات للجري، أول نادي جري سعودي معتمد أولمبياً يُعيد تعريف الرياضة المجتمعية | أُركض – Urkod

نادي بغداد للجري (BRC)، كيف أطلق شابان مجتمع جري مذهل في بغداد؟ | أُركض – Urkod

Similar Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *