فهد العَبري.. العدّاء العازف يركض بصندل مصنوع يدوياً على أرض صخرية وعرة

فهد العَبري.. العدّاء العازف

في جو هادئ يحيط به غموض الليل وسيف الجلاد المنتظر عند الصباح، نظرت شهرزاد إلى الملك شهريار وقالت بصوتها الهادئ الساحر: بلغني أيها الملك السعيد، ذو الرأي الرشيد، أنه في أطراف الأرض رجالاً يكتبون الحكايات لا بالقلم، بل بخطوات الأقدام ونغمات الأوتار. وأعجب ما بلغني في أخبار العدّائين، قصة شاب من أرض عُمان، اسمه فهد العَبري، جمع بين قسوة المسافات وعذوبة الألحان..

من أيام المدرسة إلى أول صدمة حقيقية
علاقة فهد بالجري بدأت مبكراً، منذ أيام المدرسة، في سباقات اختراق الضاحية لمسافة 5 كيلومترات، حيث كان دائماً من أصحاب المراكز الأولى، بفضل تدريب ممنهج تلقاه على يد المدرب الأردني السيد عدنان، الذي زرع فيه قواعد التحمل والانضباط منذ الصغر.

بعد المرحلة المدرسية، خاض فهد عدة تجارب رياضية في رياضات أخرى، الملاكمة وكرة القدم تحديداً، ونافس فيهما بمستوى جيد بفضل الأساس البدني الذي بناه من ممارسته لرياضة الجري. لكن غياب الدعم المؤسسي الواضح لهذه الرياضات في تلك الفترة، دفعه للعودة إلى الجري بعمق أكبر.

نقطة التحول الحقيقية جاءت عام 2014، حين شارك في سباق “سانت باتريك” في إيرلندا، وحقق رقمه الشخصي الأفضل في مسافة 5 كم بزمن 16 دقيقة. الرقم الذي كان ليضعه على قمة منصة التتويج لو انه كان سباقاً في بلده عُمان، إلا ان هذا الزمن وضعه هناك في المركز السابع. كانت صدمة، كما يصفها، الا انها كانت ايضاً نافذة فتحت عينيه على مستوى مختلف تماماً من التدريب والاحتراف في رياضة الجري حول العالم.

الجري كمتنفس.. لا كشكوى
ومن الجوانب التي يتحدث عنها فهد بصراحة نادرة، علاقته الشخصية بالجري كوسيلة تفريغ نفسي، لا كإنجاز رياضي فقط. يصف نفسه بأنه إنسان “كتوم” إلى حد ما، لا يُخرج ما بداخله بسهولة أمام من حوله. الجري، كما يقول، كان الوسيلة التي يفرغ من خلالها الضبابية العاطفية والضوضاء الذهنية، ليعود بعدها قادراً على اتخاذ قراراته بوضوح أكبر. هذا الدور برز بقوة خلال جائحة كورونا تحديداً، حين كان الجري، أكثر من أي وقت آخر، هو المتنفس الذي يلجأ إليه كلما ضاقت الأمور.

حين يلتقي الجري بالموسيقى والبيئة
مع اقترابه من نهاية العشرينات، بدأ فهد يطرح على نفسه سؤالاً أعمق: ماذا يريد أن يفعل بهذه الطاقة والوقت المتاح. قرر ألا يحصر نفسه في السعي وراء المنصات فقط، بل أن ينظر إلى الجري من بُعد فكري أوسع.

ولحبه للموسيقى والبيئة فكر في جميعها كلها معاً. فهد، الموسيقي والملحن، لم يكن مهتماً بالشعارات البيئية التقليدية، بل بمفهوم “السلوك” الإنساني نفسه؛ لم يكن إنزعاجه من البلاستيك كمادة، بل من فكرة أن يترك الإنسان أثراً سيئاً خلفه دون مبالاة بعواقب الامر وتبعاته على الارض والانسان والحيوان. من هذا الإحساس، وُلدت أغنيته “مطلوب للعدالة..يا رامي القمامة… الأرض علينا أمانة”، بعد دعوة تلقاها لحضور جلسة فكرية بيئية في عُمان.

اختار فهد آلة الأوكوليلي تحديداً لهذه الأغنية بعناية: كلمات الأغنية قوية وحادة، لكنه أراد لحناً لطيفاً لا يحمل ثقل الكلمات نفسه. الأوكوليلي، بصوتها الحاد اللطيف الأقرب إلى “السوبرانو” الموسيقي، منحت الأغنية طابعاً مرحاً يجعل الناس يحفظونها ويرددونها، بدلاً من لحن حزين ثقيل كان يمكن أن يبعدهم عنها.

تحوّلت الأغنية مع الوقت إلى ما يشبه النشيد البيئي غير الرسمي لدى مجتمعات محلية بدأت تنظّم حملات تنظيف وتغني الأغنية أثناء تنفيذها. حتى إن شركة عرضت شراء الحقوق الحصرية للأغنية، وهو عرض رفضه فهد دون تردد: “هذا فن، ما بينباع. إحنا بنحاول نبني ثقافة، مش نصنع ترند.”

اللحظة التي التقى فيها الجري بالعزف لأول مرة
قبل جائحة كورونا، وتحديداً في ماراثون مسقط، اراد فهد تجربة جمع الموسيقى بالركض، للمرة الأولى بدت الفكرة ريبة حتى بالنسبة له: هل يمكن أن يركض ويعزف على الأوكوليلي في الوقت نفسه؟ ولذلك قررا ان يختار مسافة متوسطة من خيارات المسافات المتاحة في، شارك في مسار العشرة كيلومترات، وحمل الأوكوليلي معه، ركض وعزف وغنى وغنى من حوله من عدائين، اذن الأمر ممكن فعلاً.

النتيجة كانت أبعد من مجرد تجربة طريفة. الناس الذين تعرفوا عليه من خلال الأغنية البيئية، بدأوا يتعرفون عليه الآن بصفته “العدّاء الذي يعزف”. ورغم مخاوفه الأولى من أن يُنظر إليه على أنه يستعرض، اكتشف أن الإيقاع الموسيقي الحي أثناء الجري يمنح من حوله طاقة حقيقية، ضحكاً وحماساً لم يكن يتوقعه، خصوصاً لدى المبتدئين الذين يشعرون بالتعب في كيلومتراتهم الاولى.

حين أغلقت الجائحة المتاجر.. وُلدت الفكرة
مع بداية جائحة كورونا، وإغلاق المتاجر الرياضية في عُمان، تلف حذاء فهد المعتاد “نايكي فري”، اراد ان يشتري زوجاً جديداً من نفس الجذاء ولكنه لم يجد متجراً واحداً يبتاع منه ما يريد. طرح على نفسه سؤالاً: ايعقل ان اتوقف عن ممارسة ما احب من اجل منتج؟ اذن كيف كان يركض الإنسان القديم قبل الحذاء وقبل نايكي؟

بدأ بحثاً كاملاً، شاهد وثائقيات، فوجد ان احذية الرومان القدماء كانت تشبه الصنادل. قرأ عن ثقافة “افعلها بنفسك”، وصنع أول نموذج تجريبي لصندل جري خاص به. المحاولة الأولى لم تكن سهلة؛ وتسببت له بإصابة قريبة من منطقة وتر العرقوب بعد تجربة الصندل الأول لمسافة 7 كيلومترات فقط. تعلّم من تلك التجربة أن تقنية الجري الحافي تختلف جذرياً عن الجري بحذاء تقليدي، إذ يحتاج الجسم إلى تقوية عضلات القدم والكاحل بطريقة مختلفة لتعويض غياب الدعم الذي يوفره انحدار الحذاء التقليدي.

بعد نحو شهر من التقوية والتعديل، طوّر فهد نسخة جديدة من الصندل، مستلهماً من طريقة الرومان القدماء في ربط القدم من الكعب حتى عضلة الساق، وهي طريقة يقول إنها تقوّي التناغم العصبي العضلي بين الوتر والعضلة، وتقلل الشعور بالتعب أثناء الجري لمسافات طويلة. الصندل الذي صممه بنفسه أصبح منذ ذلك الحين رفيقه الدائم في كل ركضاته.

110 كيلومتراً في صندل صنعه بيديه
بهذا الصندل، خاض فهد أطول وأصعب تحدٍ في مسيرته حتى الآن: سباق الالترا “همم” في سلطنة عُمان، مسافة 110 كيلومتراً في الجبل الأخضر، السباق المعروف اليوم باسم Oman by UTMB. كان التحدي مزدوجاً، إكمال المسافة نفسها، واختبار تقنية الجري الحافي على أرض صخرية وعرة لساعات طويلة متواصلة.

فهد العَبري.. العدّاء العازف بين مجموعة من العدّائين يركضون أمام مقابر أثرية منحوتة في الصخر بمدينة العلا

شارك فهد أيضاً في سباق العلا للترا في السعودية، الذي يصفه بأنه ترك بصمة جميلة لديه بفضل التفاعل الكبير مع المشاركين هناك.

رقم قياسي عالمي.. أسرع 10 كيلومترات عزفاً وجرياً
في ماراثون مسقط 2025، حقق فهد إنجازه الأبرز حتى الآن: رقم قياسي عالمي معتمد من موسوعة غينيس لأسرع 10 كيلومترات جرياً مع العزف المستمر على آلة الأوكوليلي، بتوقيت 47 دقيقة.

لم يكن التحدي في الجري وحده، بل في العزف نفسه: كان مطلوباً منه أن يعزف دون انقطاع، من الكيلومتر الأول حتى الكيلومتر العاشر، وفق نوتات موسيقية محدودة مسبقاً لا يمكن العزف عشوائياً خارجها. رافقه في التحدي شاهد موسيقي متخصص لمراجعة التسجيل والتأكد من عدم وجود أي انقطاع في العزف، إلى جانب فريق تصوير وتوثيق كامل، شرط أساسي لاعتماد الرقم رسمياً من غينيس.

فهد العبري يحمل شهادة غينيس للأرقام القياسية العالمية بجانب شعار المؤسسة

ورغم أهمية الرقم القياسي، يرفض فهد أن يُختزل فيه: “أنا مش رابط هويتي بالرقم القياسي. هي مرجعية ممكن تفتحلي فرص، بس أنا لا اتمحور حولها.”

يذكر فهد أن الاستعداد لهذا الحدث لم يخلُ من صعوبات حقيقية، فقد انسحب فريق دعم كان معه في اللحظات الأخيرة بعد تراجع جهة داعمة، وهي تجربة يفضّل عدم الخوض في تفاصيلها. لكنه أكمل التحدي رغم ذلك، مضيفاً واحدة من أهم تجاربه إلى مسيرته.

هوية لا تشبه أحداً
يصف فهد نفسه اليوم بأنه “عدّاء موسيقي”، مصطلح صاغه بنفسه لأنه لم يجد وصفاً آخر يناسب ما يفعله. مشروعه “الأرض علينا أمانة” أصبح يحمل هوية بصرية وموسيقية كاملة، ويرى فيه أكثر من مجرد نشاط جانبي، بل رسالة يريد توسيع أثرها مستقبلاً.

حين سُئل عن أكثر ما أثّر فيه من بين كل ما حققه، لم يتردد: “أكثر شيء أثّر فيّ هو الركض والعزف مع بعض. لأنه جانب جديد، ما حدا عمله.”

الركض.. متنفس
حين طُلب منه أن يلخّص علاقته بالجري في جملة واحدة، أجاب دون تفكير: “الركض متنفس.” وفيما يخص المستقبل، لا يتحدث فهد عن أرقام جديدة يريد كسرها، بل عن اتمام رسالته، عن توسع فكرة “الأرض علينا أمانة” لتصل إلى أماكن أكثر وابعد، ويفكر حالياً في تنظيم ركضة خيرية توعوية، لدعم قضايا بيئية محلية.

اذا اردت يوماً ان تركض على ألحان الأوكوليلي، او ان تركض بصندل روماني، او ان تحمي البيئة، فهذه صفحة فهد العبري على انستغرام.

وادرك شهرزاد الصباح وسكتت عن الكلام المباح.

اركض…ابدأ حكايتك

هل تريد الاطلاع على كل مقال جديد فور نشره؟
انضم إلى قناتنا على واتساب، حيث يتم نشر كل مقال جديد فورًا، بمجرد نشره.

تفضل ملخصًا شهريًّا بدلاً من ذلك؟
اشترك في نشرة أركض الشهرية للحصول على نظرة شاملة ومختارة بعناية بأهم ما تم نشره، وكل ما يهم العدائين العرب.

📱  رابط قناة واتساب
📩  رابط النشرة الإخبارية

اقرأ ايضاً

50 كيلومتراً في المول، هدية عيد ميلاد – Urkod

محمد العاصي من قيود الأسر إلى منصات التتويج – Urkod

من هو أسرع لاعب كرة قدم في العالم؟ – Urkod

رزنامة اركض

رزنامة اركض – Urkod

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *