أماني خليل ترفع علم مصر وتحمل ميدالية ماراثون طوكيو وميدالية النجوم الستة أمام الجدار الرسمي لماراثونات العالم الكبرى

“ليه لأ؟”.. رحلة أول أم مصرية إلى ماراثونات العالم الكبرى

“ليه لأ؟”.. رحلة أول أم مصرية إلى ماراثونات العالم الكبرى

في سنواتها الدراسية الأولى، كانت كرة السلة هي الرياضة التي تمنح أماني حلمي خليل شغفها الأكبر، كان الجري حول الملعب للإحماء هو الجزء «أبو دم ثقيل» الذي تتمنى أن ينتهي سريعاً. لم تكن ترى في الركض نشاطاً يستحق أن تقتطع له دقائق قليلة من يومها، فضلاً عن أن تمنحه ثلاثة عقود من حياتها.

في مصر، كانت الرياضة غير الاحترافية بالنسبة لأماني – ولمعظم أبناء جيلها – تعني الدخول عبر بوابات الأندية الاجتماعية الكبرى مثل نادي الزمالك أو نادي الجزيرة. داخل تلك الأسوار فقط تُمارس الرياضة، وهناك تنتهي. لكنها لم تتخيل يوماً أن الشارع، والركض على أرصفته، سيصبح هو العدسة التي ترى من خلالها العالم، و “الريموت كنترول” الذي سيحرك قدميها للوقوف على خط بداية ماراثونات العالم الكبرى.

الجري لغرض الجري

في عام 1994، انتقلت أماني إلى الولايات المتحدة واستقرت في مدينة دنتون بولاية تكساس. هناك، بعيداً عن حدائق وأسوار أندية مصر الرياضية المغلقة، وبعد نحو عام من سفرها، بدأت تلاحظ مشهداً أثار استغرابها، أشخاص يخرجون من منازلهم في ساعات الصباح الباكر ليركضوا في الشوارع المفتوحة. لم يكونوا عدّائين سريعين ولا محترفين، ولم يتدربوا للوقوف على منصات التتويج؛ كانوا يركضون ببساطة لأنهم يريدون ذلك. وقفت تراقبهم، ابتسمت، وسألت نفسها: “ليه ما أجربش؟ ليه لأ؟”.

في فجر اليوم التالي، أحكمت رباط حذائها الرياضي للمرة الأولى، فتحت باب منزلها، وخطت نحو الشارع. لم تستطع أن تنهي كيلومتراً واحداً قبل أن تتوقف أنفاسها وتجبرها على المشي. ورغم ذلك، قررت ألا تستسلم. لم تكن تعرف شيئاً عن برامج التدريب، أو مناطق نبض القلب؛ كانت فقط ترتدي حذاءها وتخرج كل يوم قبل أن تشرق شمس الصباح لتجلو عتمة الليل وتبدد ظلامه. ومع الوقت، امتدت تلك الدقائق القليلة إلى خمسة كيلومترات، ثم عشرة، ثم إلى نصف ماراثون.

في صباح شتوي بارد من صباحات ديسمبر عام 1998، وقفت أماني على خط البداية لأول ماراثون كامل لها في دالاس. لم تكن مستعدة كما ينبغي. ومع اقترابها من الكيلومترات الأخيرة من السباق، ضربت التقلصات العضلية ساقيها بقسوة كادت تسقطها أرضاً، لدرجة أن سيارة الأمان المرافقة للسباق اقتربت منها ببطء، وعرض عليها طاقم السيارة الانسحاب. نظرت إليهم، وأومأت برأسها رافضة، وواصلت جرّ قدميها حتى عبرت خط النهاية بعد نحو خمس ساعات.

لم تدرك يومها أنها بعزمها وإصرارها قد أبصرت فجراً جديداً سيأخذها في رحلة ليطوف بها أرجاء العالم، كانت تعرف فقط أنها أنهت أول ماراثون في حياتها.


القاهرة لم تكن تكساس

عندما عادت أماني إلى القاهرة في عام 1999، اكتشفت أن الركض في شوارع مصر تجربة مختلفة تماماً، وأقل جودة بلا شك. كانت تخرج للجري في حي الزمالك، لتصطدم بضجيج أبواق السيارات، مطاردات ونباح الكلاب الضالة في ساعات الفجر، نظرات الاستنكار وعبارات التهكم والمضايقات من مجتمع لم يعتد أشخاصاً يركضون في الشارع، فضلاً عن رؤية امرأة تركض بمفردها. المساحة الحرة والآمنة التي وجدتها في شوارع تكساس لم تكن متاحة في القاهرة – في ذلك الوقت – لكنها أبت أن تتوقف.

ميداليات أماني خليل التي تلخص رحلة أول أم مصرية إلى ماراثونات العالم الكبرى
ميداليات الماراثونات الكبرى – رد أماني على المشككين

نقطة التحول جاءت بانضمامها إلى مجموعة «معادي رنرز». هناك، تشرّبت ثقافة الجري الحقيقية. بدأت تقود سيارتها فجر كل جمعة من الزمالك إلى المعادي للمشاركة في التدريبات الجماعية. وفي سباقها الثاني في ماراثون الأقصر الدولي، أنهت أماني السباق في المركز الثالث. لم تكن الميدالية الإنجاز الحقيقي، كان الإنجاز بالنسبة لها إدراكها أن الجري تسرب إلى نسيج حياتها ولم يعد مجرد هواية عابرة بعد أن حلت في المركز الثالث بعد عدّاءتين من اليابان.

لن يركض وحده

مع تطورها، بدأت أماني تدرك بُعداً أعمق للرياضة، تجلى بوضوح حين شاركت في دعم سباقات تحدي «7×7×7» (إكمال سبعة ماراثونات في سبع قارات خلال سبعة أيام). كانت مشاركتها في القاهرة مخصصة لمرافقة عدّائين أجانب قدموا لخوض التحدي ومساندتهم.

في إحدى المرات، ركضت بجوار عدّاء خضع لجراحة قلب مفتوح، جاء ليثبت لنفسه ولطبيبه المرافق أن قلبه ما زال قادراً على النبض بقوة. وفي مرة أخرى، كان المطلوب منها مرافقة عدّاءة دنماركية لمسافتين فقط حول الجامعة الأمريكية، لكن أماني وجدت نفسها منجذبة لإكمال الماراثون كاملاً معها حتى خط النهاية.

هنا، لم تكن تنظر إلى ساعتها لتحقيق رقم شخصي؛ كانت تركض كي لا يركض شخص آخر وحده. رسخت هذه التجربة بداخلها إيماناً بأن الجري ليس مجرد منافسة مع الزمن، بل هو أحياناً الجهد الذي تبذله لتحمل شخصاً آخر نحو خط النهاية.

دقيقة واحدة في برشلونة

في السابعة والأربعين من عمرها، فتحت أماني باباً جديداً على أفق أوسع حين عرّفتها صديقتها نَيّرة حلمي على عالم الترياثلون. لم يكن الانتقال سهلاً؛ ففكرة دخول رياضة جديدة كلياً في هذا العمر استدعت تعليقات مستنكرة ممن حولها. لكنها واجهت كل تلك الأصوات بسؤالها الأزلي: “ليه لأ؟”.

بعد اجتيازها المسافات القصيرة لهذه الرياضة في سهل حشيش، ذهبت أماني لخوض سباق نصف الرجل الحديدي (Half Ironman)  في برشلونة.

هناك، اصطدمت للمرة الأولى بتحدٍ قاسٍ لم تستطع اختراقه. أنهت مسافة 1.9 كيلومتر سباحة في مياه شديدة البرودة، ركبت الدراجة لمسافة 90 كيلومتراً متحديةً مساراً جبلياً حاداً، لكنها وصلت إلى نقطة التحول نحو الجري متأخرة دقيقة واحدة فقط عن الحد الزمني المسموح (Cut-off time)، كانت كافية ليقوم المنظمون بإيقافها ونزع شريحة التوقيت من قدمها، معلنين انتهاء سباقها.

كاد صوت نزع الشريحة أن ينتزع معه جزءاً من وجدانها؛ كيف لا وقد تدربت لساعات وأسابيع وشهور طويلة؟ كيف لا وقد أنهت مرحلة السباحة في مياه مفتوحة شبه متجمدة، يحيط بها مئات بل آلاف المتسابقين، وهي من كانت قد تعلمت السباحة لتوها في حمام سباحة دافئ في حارة وحدها. وأنهت مرحلة الدراجات بعد أن تجاوزت 45 كيلومتراً من الصعود الجبلي المرعب على حافة طريق يفتقر لأسوار الحماية، و45 كيلومتراً آخرين في انحدار قاسٍ كاد يوقف الدم في عروقها من شدة انحداره؟ وفي النهاية تُستبعد من السباق لأنها تأخرت لدقيقة واحدة؟! واحدة فقط!

عادت إلى الفندق، تناولت عشاءها بصمت، ثم دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها. هناك، جلست على حافة السرير في عتمة تامة، وأطلقت العنان لدموعها لتنهمر من شدة البكاء ومرارة الظلم، أو سَمِّهِ الفشل إن شئت. لا يهم! لم تكن تبكي تعباً، بل ألماً من قسوة الدقيقة الواحدة التي سرقت حلمها بأن تثبت لنفسها أولاً وللآخرين ثانياً أنها تستطيع. رن هاتفها؛ كان ابناها محمد وأحمد: “فخورين بيكي يا ماما، كفاية إنك اتجرأتي وعملتي السباق ده”.

تلك المكالمة لم تشف جرح انكسارها في برشلونة، ولكنها كانت شرارة بداية عودتها، تماماً كما في أفلام هوليوود.

هدية الخمسين

في بدايات العام 2016، عادت أماني للتدريب بشراسة، أرادت من خلالها أن تختبر أقصى حدودها. شاركت في تحدي صعود جبل السخنة لمسافة تقارب 13 كيلومتراً بارتفاع 800 متر، وأنهته بنجاح، ليس ذلك فحسب، بل جاءت في المرتبة الرابعة والعشرين بين ستة وثلاثين دراجاً شاباً متمرساً جميعهم من الرجال الأشداء. ثم توجهت إلى ماراثون وارسو وسجلت زمناً قدره (3:51) ساعة. كان هذا الزمن هو هديتها الاستثنائية لنفسها بمناسبة بلوغها عامها الخمسين: حين منحها التأهل المباشر لماراثون بوسطن العريق عن الفئة العمرية لسن الخمسين للسيدات.


“
أمي.. أنتِ تصنعين التاريخ“

في أكتوبر 2016، انتقل تركيزها إلى سباق الرجل الحديدي الكامل (3.9 كم سباحة، 180 كم دراجة، 42.2 كم جري). هذه المرة، تركت عائلتها كل شيء لتسافر معها، ترافقها، وتشجعها في تحديها.

عائلة أماني خليل تحتفل بإنجازها، زوجها في المقدمة وأبنائها يحملونها خلفه احتفالاً بإكمال سباق الرجل الحديدي الكامل
أماني مع اسرتها محتفلين بإكمالها سباق الرجل الحديدي الكامل

عندما وصلت إلى الكيلومتر الثلاثين في مرحلة الجري، بدأ جسدها ينسحب. اشتدت المعاناة، تشوشت رؤيتها، وضربها غثيان شديد جعل جسدها يصرخ طالباً التوقف. في تلك اللحظة الحرجة التي كادت فيها الإرادة أن تنهار، تدخل ابناها محمد وأحمد؛ ركضا بمحاذاتها، غنوا لها بصوت عالٍ، ورفع أحدهما شاشة هاتفه أمام عينيها المنهكتين ليقرأ رسالة كتبها لها: «أنتِ تصنعين التاريخ».

حين تعجز العضلات، يركض العقل والقلب والإرادة. فأكملت أماني طريقها، وركض زوجها خالد بجانبها في الأمتار الأخيرة، حتى دوّى النداء الذي طالما انتظرته عبر مكبرات الصوت: «أماني حلمي خليل، أنتِ الآن رجل حديدي» (أو امرأة حديدية إذا ما استبعدنا الاسم التجاري للسباق).

النجمة السابعة

في ماراثون بوسطن عام 2017 – أكثر ماراثونات العالم صعوبة في الحصول على مكان للمشاركة فيه – لاحظت أماني أن بعض العدّائين يرتدون قمصاناً تحمل علامات وعبارات عن “ستة نجوم”. سألت عن معناها، فاكتشفت منظومة الماراثونات العالمية الكبرى (World Marathon Majors).

بدأت أماني بجمع النجوم واحدة تلو الأخرى: بوسطن (2017)، برلين (2018)، شيكاغو (2019)، ثم لندن ونيويورك في عام واحد (2022)، وطوكيو (2023). ومع انضمام ماراثون سيدني رسمياً إلى السلسلة، أصبح السباق محطتها القادمة.

أماني خليل مع ميدالية الستة نجوم بعد انهائها لماراثون طوكيو
أماني خليل مع ميدالية الستة نجوم بعد انهاء ماراثون طوكيو

في عام 2026، عبرت أماني خط النهاية في أستراليا، لتكمل ماراثونها السابع وتصبح، بحسب ما وثقته في رحلتها، أول أم مصرية تحقق هذا الإنجاز. بعض هذه السباقات جاء بعد سنوات من الانتظار، وبعضها واجه تأجيلات قسرية، لكن الحبل الذي ربطها جميعاً معاً كان قوة شخصيتها، صلابتها الذهنية وإصرارها على الاستمرار.


“ليه لأ؟“

وأنت تتحدث إلى أماني، لا تشعر كيف يمر الوقت، فهي لا تحدثك عن الجري كاختبار للسرعة، ولا عن العمر كرقم يجب هزيمته. بل تحدثك عن تلك القصة التي عاشتها في رحلتها مع رياضة الجري، عن المساحة الشاسعة التي يخلقها الإنسان لنفسه، عندما يرفض أن يسمح للأفكار المسبقة بتقييده وتحديد إمكانياته.

لم تكن تعرف إلى أين سيأخذها الجري عندما ربطت حذاءها وخرجت من منزلها في تكساس للمرة الأولى، ولم تكن تعرف أن أبواب الأندية المغلقة في القاهرة ستدفعها لاكتشاف شوارع العالم. ولم تكن تعرف أن دقيقة بكاء شديدة المرارة في برشلونة ستعيد تشكيل كيانها، لتصل بها إلى بوسطن وبرلين وشيكاغو ولندن ونيويورك وطوكيو وسيدني، لتضعها على قمة هرم رياضة الجري، لتطوق عنقها بميداليات أعظم سباقات الجري في العالم والتي تداعب خيالات كل محبي هذه الرياضة.

عندما سألناها في ختام حديثنا معها عن العنوان الذي قد تختاره بنفسها لرحلتها الملهمة هذه، صمتت لوهلة، فأجاب زوجها خالد، الجالس الى جانبها: “ليه لأ”.

ضحكت أماني، ووافقته الرأي. ثم أرسلت لاحقاً رابط محاضرة ألقتها على منصة  TEDx، تتحدث فيها عن هوياتها الثلاث: مصرية، وأم، وعدّاءة، وكيف وُلدت هذه الهويات الثلاث – التي كان المجتمع من حولها يراها متناقضة – من عبارة واحدة بسيطة: “ليه لأ” ترددها لنفسها وللآخرين كلما واجهت تحدياً.

لم تكن هذه العبارة تحفيزية لشخصها فقط، بل كانت إجابتها للمجتمع الذي اعتبر طموحها الرياضي في هذا العمر تناقضاً، بل تمرّداً على دورها كأم وزوجة شرقية. لكنها أصرّت، عند كل خط نهاية، على إثبات أن شغف المرأة لا ينتقص من أمومتها أو دورها تجاه عائلتها، وأن الركض خلف حلم شخصي لا يعني التخلي عن العائلة، بل إلهامها.

حكاية أماني لم تكن يوماً مجرد رسالة شفهية للمرأة المصرية والعربية التي قيل لها إن للأحلام سقفاً يجب التوقف عنده؛ بل كانت رسالة كُتبت بعرق التدريب، بساعات الاستيقاظ في الفجر، وبالمسافات التي قطعتها. لقد أثبتت بالفعل، لا بالقول، أن خط النهاية ليس حكراً على جيلٍ بعينه أو عمر معين، وأن هوية الأم العربية فيها متسع للإنجاز والإلهام والأسرة معاً.

لم تكن هناك حاجة لسؤالها عن العنوان من الأساس. كانت الإجابة تركض بجانبها منذ ثلاثة عقود.

عاشت أماني حياتها كاملةً تعرف شيئاً واحداً فقط: أنها لا تخشى أن تفتح الباب، ولا تخشى أن تضع قدماً أمام الأخرى، لترى إلى أين يمكن أن يصل بها الطريق. ولهذا السبب بالتحديد، فإن نجمة سيدني السابعة، لا تبدو إلا مجرد مساحة جديدة لسؤال سيتكرر من جديد، وعن قريب:

ليه لأ؟

اركض… حكايتك 🏃

اقرأ ايضاً

قصة الماراثون.. من أسطورة فيديبيدس إلى 42.195 كيلومتراً – Urkod

سالم المطوع… العدّاء الكويتي الذي لا يركض دون علم فلسطين – Urkod

فهد العَبري.. العدّاء العازف – Urkod

محمد العاصي من قيود الأسر إلى منصات التتويج – Urkod

هل تريد الاطلاع على كل مقال جديد فور نشره؟
انضم إلى قناتنا على واتساب، حيث يتم نشر كل مقال جديد فورًا، بمجرد نشره.

تفضل ملخصًا شهريًّا بدلاً من ذلك؟
اشترك في نشرة أركض الشهرية للحصول على نظرة شاملة ومختارة بعناية بأهم ما تم نشره، وكل ما يهم العدائين العرب.

📱  رابط قناة واتساب
📩  رابط النشرة الإخبارية

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *